لقد خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم وصاحبه أبو بكر من بيت الصديق سيرًا على الأقدام، حتى دخلا الغار، فمشى رسول الله صلى الله عليه و سلم على أطراف أصابعه حتى حفيت رجلاه، فلما رآها أبو بكر أنها قد حفيت حمله على كاهله، وجعل يشتد به، حتى أتى به الغار فأنزله [1] .
وفي ذلك اعتبارات أمنية ظاهرة، فسيرهم على الأقدام يجعل أثرهم أقل وضوحًا مما لو كانا راكبيْن، إضافة إلى أن الركوب على الدواب في مثل هذا الوقت من الليل ملفت للنظر، وربما تنبهت قيادة قريش للأمر، فتفسد الخطة، كما أن حركة الرواحل في الغالب يصدر عنها صوت، مما يجعل الركب عرضة لإثارة فضول قريش فتسأل الركب، أو تستوقفه لتستوضح أمره، بعكس السير على الأقدام فلا يحدث صوتًا، وبخاصة إذا كان السير على أطراف الأصابع، كما كان يسير الرسول صلى الله عليه و سلم، وهذا السير يزيد من فرص نجاح المهمة.
ثالثًا: التمويه في الخروج إلى الغار:
يقع غار (ثور) جنوبي مكة المكرمة [2] ، بينما يقع الطريق المؤدي إلى المدينة شمال مكة المكرمة، وهنا تبدو دقة التخطيط، والاحتياط الأمني. قال المباركفوري: (ولما كان النبي صلى الله عليه و سلم يعلم أن قريشًا ستجدّ في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيس المتجه شمالًا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوبي مكة، والمتجه نحو اليمن، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ جبلًا يعرف بجبل ثور) [3] .
المطلب الثاني: الاحتياطات الأمنية أثناء الإقامة بالغار
لقد تخللت إقامة النبي صلى الله عليه و سلم وصاحبه في الغار بعض الاحتياطات الأمنية، سنحاول تناول أهمها في هذا المطلب.
أولًا: تدخل العناية الإلهية:
على الرغم من كل الجهد البشري في التمويه والاختفاء والسرية، استطاعت قيادة قريش أن تصل إلى مكان الغار، سواء أكان ذلك عن طريق تتبع الأثر، أو المسح الشامل لجبال مكة بحثًا عن النبي صلى الله عليه و
(1) - الوفاء بأحوال المصطفى، لابن الجوزي، ج 1 ص 237.
(2) - طريق الهجرة النبوية، عبد القدوس الأنصاري، ص 41، مطابع الروضة، جدة، الطبعة الأولى.
(3) - الرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 194.