لقد وقع اختيار الرسول صلى الله عليه و سلم على دار الأرقم، لتكون مقرًا غير معلن للمستجيبين من المؤمنين، وذلك لتفردها بعدة صفات، وميزات سنحاول الوقوف عندها في هذا المبحث بإذن الله.
ـ ميزات في اختيار دار الأرقم مقرًا:
لما دخل في دين الله ما يربو على الثلاثين، وكان من اللازم اجتماع الرسول صلى الله عليه و سلم بهم، ليعلمهم أمور دينهم، اختار الرسول صلى الله عليه و سلم دار الأرقم ابن أبي الأرقم [1] .. وربما وقع الاختيار عليها دون سواها، لاعتبارات وميزات أمنية، تفردتْ بها عن غيرها، تتمثل في الآتي:
ـ تقع هذه الدار على الصفا، وكانت بمعزل عن أعين الطغاة ومجالسهم [2] ، ولا تخفى الأهمية الأمنية لهذا الموقع، فكونها في معزل، يجعلها بعيدة عن مراقبة قريش، الأمر الذي يجعلها محاطة بالسرية، ولا تحتاج عملية الوصول إليها، أو الخروج منها، إلى كبير عناء، أو احتياطات معقّدة، كما أن بعدها عن مجالس قريش يزيد من ميزتها، فمجالس قريش عادة ما يدور فيها الحديث عن الرسول صلى الله عليه و سلم وصحبه، فإذا كانت قريبة من تلك المجالس سهل رصد ومراقبة القادمين إليها والخارجين منها.
ـ كما أن لموقعها أسفل جبل الصفا، ميزة أخرى تضاف إلى الميزات الآنفة، فلو كانت في أعلاه، لأصبحت مكشوفة وسهلت مراقبتها.
ـ ثم إن الدار ليس فيها موضع، يمكن أن يستغله أعداء الدعوة، فيطلعوا من خلاله على ما يدور بداخلها، وهذا مما يجعل ما بداخلها بعيدًا عن أعين الأعداء .. يضاف إلى ذلك، أن صاحبها الصحابي (الأرقم) ، لا يمكن أن يبوح بسر إعطائه هذه الدار للمؤمنين، هذا بخلاف ما إذا كانت الدار لكافر.
ـ كما أن الأرقم لم يكن معروفًا بإسلامه، ولم يعلن إسلامه بعد، فما كان يخطر ببال قريش أن يتم لقاء الرسول صلى الله عليه و سلم وأصحابه بداره .. أضف إلى ذلك أنه كان فتى عند إسلامه، فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، ويوم تفكر قريش في البحث عن مركز التجمع الإسلامي، لا يتوقع أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم، بل يتجه نظرها وتفكيرها إلى كبار الصحابة رضي الله عنهم .. هذا إلى جانب أن الأرقم من بني مخزوم، التي كانت تحمل لواء الحرب ضد بني هاشم، فلو كان الأرقم معروفًا بإسلامه، لصعب أن يكون اللقاء في داره، لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو [3] .
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 253.
(2) - المرجع السابق، ص 253.
(3) - انظر المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان، طبعة مكتبة المنار، ط 6، ص 49.