فهرس الكتاب

الصفحة 74 من 100

الفصل الثالث: جوانب الحذر والحماية في الهجرة النبوية

توطئة:

بعد أن تيقن الرسول صلى الله عليه و سلم من أن مكة لم تعد تصلح أن تكون أرضًا تؤوي الدعوة وتحميها، بل باتت تهدد وجودها، كان لابد لدعوة الإسلام من أرض تقف عليها، وتنطلق منها، وتكون لها السيطرة عليها، حتى يتسنى لها الانتشار ومجابهة الباطل، الذي يقف أهله عقبة في طريق الدعوة .. كان لابد لهذه الأرض من أن تتوافر فيها بعض السمات، حتى تكون عونًا للمسلمين على أداء دورهم في خلافة الأرض، وإقامة العدل، ولعل من أبرز هذه السمات: أن تكون تلك الأرض ذات قدرات اقتصادية، وأن تمتاز بموقع طبيعي حصين، وأن تتمتع بمنافذ وقنوات اتصال مع الخارج، وأن يكون بها أنصار وحماة لدعوة الإسلام، يضحون في سبيلها بالنفس والمال .. هذه هي أبرز الصفات التي امتازت بها المدينة المنورة، وفيما يلي نلقي بعض الضوء على الصفات الأربع المذكورة:

ـ بالنسبة للصفة الأولى، نجد أن المدينة كانت مركزًا تجاريًا هامًا بين شمالي الجزيرة العربية وجنوبيها، وكانت -وما تزال- أرضًا زراعية خصبة، يزرع بها التمر بكميات هائلة، وعندما جاء الصحابة رضي الله عنهم للمدينة المنورة، وجدوها أرضًا عامرة بالزراعة.

ـ أما الصفة الثانية فكانت المدينة أرضًا حصينة، إذ تحيط بها الجبال، والحِرار من كل الجوانب، وقد ظهرت أهمية هذه الميزة حين هجوم الأحزاب عليها، فقد فشلت قريش في الدخول إلى المدينة المنورة لمجرد حفر المسلمين للخندق.

ـ أما بخصوص موقع المدينة، فكان فريدًا، إذ كانت تمثل همزة الوصل بين شمالي الجزيرة وجنوبيها، لذا كانت قنوات الاتصال بالمدينة سالكة مع الخارج.

ـ أما أمر الأنصار وحمايتهم للدعوة، فأمر معلوم تشهد به مجاهداتهم في بدر، وأحد، وغيرهما. فقد كان الأنصار من الأوس والخزرج معروفين بقوة الشكيمة، والفروسية، والشجاعة، والنخوة، وكانوا أهل خبرة وبصر بالقتال وفنونه .. ولهذا لم يتأخروا أبدًا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم، فدوه بالنفس والنفيس [1] .

ونظرًا لتلك السمات المتفردة، لم يكن غريبًا أن تصبح المدينة أصلح مكان لهجرة الرسول صلى الله عليه و سلم وصحبه، فاتخذوها لهم دارًا وقرارًا، حتى يقوى الإسلام، ويشق طريقه إلى الأمام، ويفتح الجزيرة ثم يفتح العالم المتمدن [2] ، وقد كان نجاح الإسلام في تأسيس وطن له وسط صحراء تموج بالكفر والجهالة، من أعظم

(1) - انظر العقد الفريد، شهاب الدين أحمد (ابن عبد ربه) ، ج 3 ص 334، ط لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة .. والسيرة النبوية للندوي ص 133.

(2) - انظر السيرة النبوية للندوي ص 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت