الذين لم يهاجروا بعد، حين يرون عياشًا الذي هاجر إلى المدينة قد رجع مقيدًا إلى مكة، فربما أثر ذلك في نفوس بعض الذين يودون الهجرة، فيجعلهم يعيدون التفكير في أمرهم.
ولم يترك المسلمون أمر اختطاف عياش، فقد ندب الرسول صلى الله عليه و سلم أحد أصحابه للقيام بمحاولة إطلاق سراح عياش وهشام رضي الله عنهما، وفعلًا استعد للمهمة ورتب لها ما يحقق نجاحها، وجاء إلى مكة، واستطاع بكل اقتدار وذكاء أن يصل إلى البيت الذي حُبسا فيه، وأطلق سراحهما ورجع بهما إلى المدينة المنورة.
ولكن بالرغم من هذه الأساليب القاسية والمتنوعة، التي استخدمتها قريش، تمكن المسلمون من الهجرة إلى المدينة، فلم يقف التفريق بين المرء وزوجه وولده حائلًا، ولا التجريد من المال والحبس مانعًا، ولا الاختطاف حاجزًا بين المسلمين وهجرتهم إلى المدينة.
بعد أن مُنيت قريش بالفشل في منع الصحابة رضي الله عنهم من الهجرة إلى المدينة المنورة، على الرغم من كل الأساليب آنفة الذكر، بعد هذا الفشل، أدركت قريش خطورة الأمر، فأصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم قد خرجوا، وساقوا الذراري والأطفال إلى الأوس والخزرج، حيث تجسد أمامهم الخطر الحقيقي الذي يهدد كيانهم الاجتماعي، والاقتصادي، فهم يعلمون قوة تأثير شخصية الرسول صلى الله عليه و سلم، مع كمال القيادة والرشاد، ويعلمون عزيمة أصحابه واستقامتهم، ومدى استعدادهم للفداء والتضحية في سبيل عقيدتهم، ويعلمون كذلك ما في الأوس والخزرج من قوة ومِنعة، وما في عقلاء هاتين القبيلتين من عواطف السلم، والصلح، والتداعي إلى نبذ الأحقاد فيما بينهم، بعد أن ذاقوا مرارة الحرب الأهلية طيلة أعوام من الدهر.
كما أنهم كانوا يدركون ما للمدينة من الأهمية من حيث الموقع الاستراتيجي لتجارتهم التي تمر بساحل البحر الأحمر إلى الشام، ولا ريب أنها كانت تحتاج إلى الأمن والاستقرار طوال الطريق [1] .
فهذا الموقف البالغ الحساسية والخطورة، كان يتطلب من قيادة قريش أن تحاول فعل شيء تجاهه، فصاروا يبحثون عن أنجع الوسائل لدفع هذا الخطر الذي مبعثه الوحيد حامل لواء الدعوة، النبي صلى الله عليه و سلم، لذا اجتمعت قيادة قريش في دار الندوة للتشاور في أمر القضاء على قائد الدعوة .. ولما جاءوا إلى دار الندوة، اعترضهم إبليس في هيئة شيخ حكيم على الباب، فقالوا: مَن الشيخ؟ قال: شيخ من أهل نجد، سمع بالذي اتَّعَدتُّم له فحضر معكم، ليسمع ما تقولون، وعسى ألا يُعْدِمكم منه رأيًا ونُصحًا، قالوا: أجل فادخل، فدخل معهم.
(1) - انظر الرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 191.