طُرحت عدة آراء واقتراحات، أثناء ذلك الاجتماع، منها إخراج الرسول صلى الله عليه و سلم من مكة، ولكن هذا الرأي أُبعد بحجة أنه سوف يجد مأوى، ثم يعود لغزو مكة. فطُرح رأي آخر يقول بحبس المصطفى صلى الله عليه و سلم، ولكن هذا الرأي استبعد أيضًا بحجة أن أصحابه سيفكون قيده.
فكان الرأي، الثالث الذي وافق عليه الحاضرون وعلى رأسهم إبليس، ولم يعترض عليه أحد، وحظي بالإجماع .. يتلخص هذا الرأي في أن يؤخذ من كل قبيلة فتى شابًا جلدًا نسيبًا، وسيطًا في قومه، فيعطى كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلونه، فيتفرق دمه في القبائل جميعًا، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب جميع القبائل فيرضوا بالدية، وقد حددوا مكان وزمان تنفيذ العملية [1] ، وقد رافق مؤامرتهم هذه اتخاذ بعض الإجراءات الأمنية، نوجزها فيما يلي:
ـ التكتم التام على الاجتماع:
لقد تكتمت قيادة قريش تكتمًا تامًا على اجتماعها في دار الندوة، فلم يعلم أحد في المؤمنين بأمره، ولا حتى أولئك الموالين للنبي صلى الله عليه و سلم من كفار قريش، فلم يُدع له أحد، وبخاصة عمه العباس، وقد نجحوا في أمر الكتمان هذا، بدليل أن النبي صلى الله عليه و سلم لم يعلم به إلا عن طريق الوحي [2] .
ـ التوقيت المناسب لتنفيذ العملية:
وهو من أبرز الإجراءات الأمنية التي اتخذتها قريش لضمان نجاح تنفيذ هذه المؤامرة، فقد كان ميعاد التنفيذ بعد منتصف الليل [3] ، ولا يخفى ما في ذلك من جوانب أمنية، فالليل غطاء أمني لإخفاء أفراد المهمة، هذا إلى جانب أن في مثل هذا الوقت تقل -وربما تنعدم- الحركة، مما يجعل أمر اكتشاف المؤامرة ضعيفًا، كما أن في مثل هذا الوقت يكون السواد الأعظم من الناس قد استغرقوا في النوم، فلا يشعرون بحركة أفراد المؤامرة، مما يسهل عليهم تنفيذ مهمتهم بنجاح.
ـ إحكام الخطة:
لقد كانت الخطة محكمة بحيث لم تكن فيها ثغرة يمكن أن تفسدها، وهذا الإحكام يؤكد أن النقاش في دار الندوة كان مستفيضًا، بدليل أنهم رفضوا فكرة الحبس، والقيد، والإخراج، لما فيها من ثغرات .. رفضوا فكرة الحبس، لأنهم أقنعوا أنفسهم بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم يمكنهم أن يطلقوا سراحه،
(1) - انظر السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 480، 481، 482.
(2) - المرجع السابق، ص 481، وتاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن محمد بن خلدون، ج 2 ص 15، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
(3) - الرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 193.