صاحب الإعداد للهجرة، اتخاذ عدة جوانب من الحذر والحيطة، بعضها قام به رسول الله صلى الله عليه و سلم وبعضها الآخر قام به سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، وسوف نقف في هذا المبحث على تلك الجوانب بعون الله.
المطلب الأول: جوانب من الحذر والحيطة فيما قام به الرسول صلى الله عليه وسلم
لقد أولى النبي صلى الله عليه و سلم أمر الهجرة اهتمامًا بالغًا، فما أن جاءه الوحي بأمر الهجرة حتى باشر في تنفيذه بدقة، وإحكام، وتأمين، وهذا يظهر من خلال استعراضنا للجوانب التي صاحبت مراحل إعداده صلى الله عليه و سلم لهجرته، والتي من أبرزها ما يأتي:
ـ اختيار الوقت المناسب لإيصال المعلومة:
عندما جاء الأمر لرسول الله صلى الله عليه و سلم بالهجرة، وأراد أن يخبر صديقه الوفي أبا بكر رضي الله عنه ليصحبه معه، اختار لذلك وقت الظهيرة، وهي ساعة لم يكن قد اعتاد المجيء فيها إلى بيت أبي بكر رضي الله عنه. قالت عائشة رضي الله عنها: (بينما نحن جلوس في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله متقنعًا في ساعة لم يكن يأتينا فيها) [1] .
ففي مثل هذا الوقت تقل الحركة، ويندر الرقيب، وبالتالي يضمن الرسول صلى الله عليه و سلم أن من الصعوبة على قيادة قريش وعيونها أن ترصده، مما يجعل أمر اللقاء أقرب إلى الخفاء، ومعلوم أن هذا التحرك كان بعد أن أخبر جبريل عليه السلام سيدنا محمدًا صلى الله عليه و سلم بمؤامرة قريش لقتله، وهذا مما يطرح احتمال أن تكون قيادة قريش تراقب عن كثب تحركات المصطفى صلى الله عليه و سلم .. وحتى يفوِّت الرسول صلى الله عليه و سلم الفرصة على عيون قريش، جاء في مثل هذا الوقت الذي لم يعتد الحضور فيه لبيت أبي بكر رضي الله عنه، إذ كان يأتي طرفي النهار [2] .. فإذا افترضنا أن هناك من يراقب منزل أبي بكر، فإنه غالبًا يراقبه في هذين الوقتين دون سواهما.
ـ إخفاء الشخصية أثناء تنفيذ المهمة:
من الطبيعي أن يخفي الإنسان معالم شخصيته أثناء تنفيذ المهمات الصعبة والحساسة، حتى لا يثير الريبة والشك لدى أعدائه، وبخاصة إذا كان الصراع بينهما محتدمًا، لأنه متى ما علم الطرف الآخر بتحركات خصمه، راقبه وتابعه، حتى يتبين له ماذا ينوي فعله، لذا جاء الرسول صلى الله عليه و سلم متلثمًا لبيت أبي
(1) - رواه البخاري في صحيحه في باب هجرته صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ج 1 ص 553.
(2) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 176.