واستبعدوا فكرة إخراجه لخوفهم من قوة تأثيره صلى الله عليه و سلم على الآخرين [1] . واختيارهم للرأي الثالث القائل بالقتل الجماعي، يدل أيضًا على إحكام خطتهم، حيث إن القضاء على قائد الدعوة قضاء على الدعوة، هذا إلى جانب استحالة محاربة بني عبد مناف لقومهم جميعًا، وبالتالي يتفادى المشركون الحرب معهم، وتنحصر المشكلة في دفع الدية، وهو أمر ميسور لدى المتآمرين.
ومما يدل على إحكام الخطة أيضًا، إسناد هذه المهمة لأشخاص تنطبق عليهم مواصفات خاصة، بأن يكون الفرد منهم شابًا جلدًا، نسيبًا وسيطًا في قومه، يتقلد سيفًا صارمًا، ولا ريب أن أشخاصًا بهذه المواصفات، يجعلون نسبة نجاح العملية عالية.
ـ الترتيبات الوقائية، وتدخل العناية الإلهية:
ولكن على الرغم من كل هذه الاحتياطات الأمنية العالية، فقد وفَّق الله عز وجل رسوله صلى الله عليه و سلم لإفشال خطة قريش، وتفويت فرصة أن ينالوا شرًا بالرسول صلى الله عليه و سلم، وذلك لأن الرسول صلى الله عليه و سلم يمثل قمة الإيمان والتقوى والورع، إلى جانب استنفاده الأسباب الممكنة .. وحسمت العناية الإلهية الأمر. ولا شك أن البُعد الأمني للإيمان ذو أثر بالغ في تحقيق النتائج، فينبغي على المسلمين أن يضعوا ذلك نصب أعينهم، حيث يتنزل المدد من الله الذي تستمد منه الجماعة المسلمة عدتها وعتادها، وهذا ما حدث عندما أحكمت قريش خطتها، وحافظت على سرية اجتماعها، وخفيت تلك المعلومة المهمة عن النبي صلى الله عليه و سلم، فجاء الوحي يخبره بتلك المؤامرة [2] . وهذا ما يميز المسلم عن سواه.
ولكن بالطبع تدخُّل العناية الإلهية يأتي بعد الأخذ بالأسباب، وإعداد العدة، وعدم التواكل، فإذا تركنا الأخذ بالأسباب، ولم نُعد ما نستطيع من قوة، وأصبحنا ننتظر تدخُّل العناية الإلهية، فهذا مما يخالف منهجنا الإسلامي، الذي يأمر بإعداد العدة بكل ما نستطيع من معدات وآليات، لأن الاستجابة لأمر الله بإعداد العدة، سبيل للعناية الإلهية وحصول النصر.
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 482، وتاريخ ابن خلدون، عبد الرحمن محمد بن خلدون، ج 2 ص 15، مؤسسة الأعلمي، بيروت.
(2) - زاد المعاد لابن القيم، ج 2 ص 52.