المكاسب التي حصل عليها منذ بداية الدعوة. وفي هذا الفصل سنحاول الوقوف على جوانب الحماية والأمن للهجرة إلى المدينة المنورة.
ثمة جوانب مهمة تمت قبيل الهجرة، سنحاول الوقوف عندها من خلال هذا المبحث بتوفيق الله.
المطلب الأول: تغلب المسلمين على أساليب
قريش وتمكنهم من الهجرة إلى المدينة عقب الفشل الذي منيت به قيادة قريش، في عدم مقدرتها على منع توقيع البيعة بين الرسول صلى الله عليه و سلم والأنصار، وبعد أن أدركت خطورة أن يجد الرسول صلى الله عليه و سلم وصحبه أعوانًا وأرضًا ينطلقون منها، عقب كل ذلك عملت قيادة قريش جاهدة للحيلولة دون خروج مَن بقي من المسلمين إلى المدينة، ولقد اتبعت في ذلك عدة أساليب نستعرضها فيما يلي:
أولًا: أسلوب التفريق بين الرجل وزوجه وولده:
لا شك أن للزوجة والولد مكانة عظيمة في قلب الرجل، فأي تفريق بينه وبينهم يعد أمرًا بالغ الصعوبة، وخاصة إذا كان هذا التفريق قسرًا، لذا لجأت قريش إلى هذا الأسلوب كي تحول بين المسلمين وبين الهجرة إلى المدينة.
تقول أم سلمة رضي الله عنها: (لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رحّل لي بعيره، ثم حملني عليه وحمل معي ابني سلمة ابن أبي سلمة في حجري، ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رأته رجالُ بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غَلَبْتَنَا عليها، أرأيت صاحبتك هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خِطَامَ البعير من يده فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رَهْط أبي سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا بُنَيَّ سلمة بينهم، حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحَبَسَنِي بنو المغيره عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة) [1] .
وهذا أنموذج للطرق القاسية التي سلكتها قريش لتحول بين أبي سلمة والهجرة، رجل يفرق بينه وبين زوجه عنوة، وبينه وبين فلذة كبده، على مرأى منه! كل ذلك من أجل أن يثنوه عن الهجرة! ولكن متى ما تمكّن الإيمان من القلب، استحال أن يُقَدِّم صاحبه على الإسلام والإيمان شيئًا، حتى لو كان ذلك الشيء فلذة كبده، أو شريكة حياته، لذا انطلق سيدنا أبو سلمة رضي الله عنه إلى المدينة لا يلوي على أحد، وفشل معه هذا الأسلوب .. وللدعاة إلى الله فيه، أسوة حسنة.
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 469.