فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 100

ليستريح عليها، فهذا تصرف في غاية الحكمة، فالظل في الصحراء مطلب كل سائر على الطريق، ليحتمي به من حر الشمس الحارقة، كما أن الصخرة ربما يكون مختبأ وراءها أحد أفراد قريش ممن يطلبون ركب الهجرة، أو أحد عابري السبيل، الأمر الذي قد يعرّض الركب النبوي للخطر، وحتى ينتفي هذا الاحتمال، ذهب أبو بكر، وتأكد من خلو الصخرة من البشر.

ولم يكتف بذلك، بل قام بمسح شامل حول الصخرة، فعندما رأى الراعي ذهب إليه بنفسه وبادره بالسؤال قبل أن يسأله الراعي، وهذه مبادرة موفقة من الصديق رضي الله عنه، وربما قصدها لمنع الراعي من أي استفسار لمعرفة شخصية أبي بكر، ثم بادره مرة أخرى طالبًا منه أن يحلب له لبنًا، ولم يقل له: احلب لنا، ليوهم الراعي بأنه وحده، وليس معه أحد، ثم طلب من الراعي أن ينفض الغبار عن ضرع الشاة، مخافة أن يؤذي ذلك رسول الله صلى الله عليه و سلم، فيسبب له ألمًا يمكن أن يعوق تقدم الركب.

وقول أبي بكر لرسول الله صلى الله عليه و سلم وبمجرد انتهائه من شرب اللبن: هل آن الرحيل؟ يدل على الحس الأمني العالي لدى أبي بكر، حيث لا ينبغي لهذا الركب أن يطيل الاستراحة، والطلب في أثره، ولابد من الاستفادة من السير في وقت القيلولة الذي يندر فيه المرور، وبالتالي تقل فرص الظفر بالركب من قبل المتربصين به.

المطلب الثالث: جوانب الحذر والحيطة في اختيار

طريق الهجرة وعدد أفراد الركب ودخول المدينة

أولًا: اختيار طريق الهجرة:

المتأمل في طريق الهجرة، يجد أنه كان أقصر الطرق الموصلة إلى المدينة، ولم يكن من الطرق المألوفة، ولا يخفى ما في ذلك من أبعاد للحماية. فقصر الطريق يقلل من الزمن الذي تستغرقه الرحلة عادة ما بين مكة والمدينة، وهو أمر مطلوب في مثل هذه الرحلة المحفوفة بالمخاطر، والتي يتعقبها المشركون. كما أن الطريق القصير لا يحتاج إلى كثير زاد بخلاف الطويل، أما كونه غير مألوف ففي ذلك زيادة في الاحتياط الأمني، إذ غالبًا ما تكون جهود قيادة قريش منصبة على الطريق العام، وربما غاب عنها مثل هذا الطريق، مما قد يترتب عليه ندرة، أو عدم المراقبة لهذا الطريق، الأمر الذي يسهل مهمة ركب الهجرة في الوصول إلى المدينة المنورة.

ثانيًا: عدد أفراد الركب:

من المعلوم أن قريشًا كانت تريد إلقاء القبض على النبي صلى الله عليه و سلم وصاحبه، وعلى هذا فهي تحاول التركيز على أي ركب يتألف من شخصين، وتعده هدفًا لها، ولكن حنكة وحكمة الرسول صلى الله عليه و سلم وصاحبه، جعلت من أفراد الركب أربعة أشخاص، حيث انضم إليهما الدليل عبد الله بن أُريقط،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت