فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 100

وعامر بن فُهيرة [1] . وهذا العدد يبعد الشبهة إلى حد كبير عن الركب، لأنه يتكون من أربعة، بينما التركيز في الغالب على الركب الذي يتكون من اثنين.

ثالثًا: دخول الركب المدينة المنورة:

حين دخل الرسول صلى الله عليه و سلم المدينة، مر ­تقريبًا­ بجميع بطون قبيلتي الأوس والخزرج، فقد مر ببني عمرو بن عوف، وبني سالم، وبني بياضة، وبني ساعدة، وبني الحارث، وبني عدي بن النجار، وكان يرد عليهم حين يطلبون منه النزول بقوله: (دعوها فإنها مأمورة) [2] .

إن مرور الرسول صلى الله عليه و سلم ببطون الأوس والخزرج، يكشف عن بُعد أمني هام كان له دور كبير في الحفاظ على تماسك ووحدة الجبهة الداخلية للمدينة المنورة، فأشهر سكان المدينة كانوا من الأوس والخزرج، وكانت الحروب تقوم بينهما لأسباب واهية، وكان لليهود الدور الأكبر في إيقاد نار الفتنة بين الأوس والخزرج [3] . فلو مر الرسول صلى الله عليه و سلم بقبيلة دون أخرى، ربما استغل ذلك اليهود، وأشاعوا بأن الرسول صلى الله عليه و سلم يفضل هذه القبيلة على تلك، مما قد يؤدي إلى نشوب حرب أهلية بين القبيلتين، لذا مرّ الرسول صلى الله عليه و سلم على ديار القبيلتين.

كما أنه لم ينزل على قبيلة دون أخرى، للسبب ذاته، وإنما جعل أمر النزول إلهيًا، وليس اختيارًا من عنده صلى الله عليه و سلم، وهذا يتضح من قوله لهم: (دعوها فإنها مأمورة) ، فإذا نزل كان النزول بأمر الله، فيرضى الجميع به، ويوقنون أنه أمر إلهي يجب التسليم به، فلا يحدث نزوله ساعتها حساسية في نفوس الذين لم ينزل عليهم، وبالتالي يكون الرسول صلى الله عليه و سلم بهذا التصرف الحكيم قد فوّت على أعداء الدعوة فرصة كان يمكن استغلالها، للنيل من وحدة المجتمع المسلم.

وبعد:

فهذه بعض ملامح اليقظة والحذر، ووسائل تأمين الحماية للدعوة في مسيرة الرسول القدوة صلى الله عليه و سلم، لتكون محل التأسي والاقتداء للمسلم في دعوته، ودقة تعامله مع الآخرين، وحماية مكتسبات الدعوة من التبديد والتدمير، وتبقى العناية الإلهية هي الملاذ الأخير حيث لا ملجأ ولا منجى من الله إلا إليه، والحمد لله رب العالمين.

(1) - طريق الهجرة النبوية، عبد القدوس الأنصاري، ص 109.

(2) - تاريخ ابن خلدون ج 2 ص 16.

(3) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 555.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت