فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 100

المبحث الأول: جوانب الحماية في بدء الدعوة

حينما بدأ رسول الله صلى الله عليه و سلم الدعوة في مرحتلها السرية، كان يعلم أن ذلك الوضع يستدعي مراعاة جملة من الأمور الهامة، ومن ذلك أنه صلى الله عليه و سلم كان يختار من يدعوهم حسب مقاييس خاصة، يتحرى فيها الدقة المتناهية، والحذر، والحيطة، ذلك لأن أولئك المستجيبين للدعوة آنذاك، هم الذين تقع عليهم أعباؤها ومسؤولياتها، فلابد أن يكونوا من خيار المجتمع، صدقًا، واعتدالًا، ومروءة، ونخوة، واستقامة، حتى يكونوا أهلًا للقيام بتبليغ الدعوة، وتحملها بكل تجرد، ونكران ذات.

وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يعلم أن أي خلل في التصرف، أو تسرب أية معلومة، يمكن أن يؤدي إلى نتائج سلبية من شأنها أن تؤثر على تقدم الدعوة ومستقبلها، ولهذا حرص على أهلية المدعوين ونوعيتهم، من حيث كتمانهم للسر، وعدم تسريب المعلومات عن الدعوة الجديدة.

جوانب الحماية في دعوة النبي صلى الله عليه و سلم للأقربين:

إن أول من دعاه الرسول صلى الله عليه و سلم زوجه السيدة خديجة، وعليّ بن أبي طالب، ومولاه زيد بن حارثة، وحاضنته أم أيمن [1] ، رضي الله عنهم أجمعين .. والمتأمل في هؤلاء النفر الكريم، يجدهم جميعًا تضمهم أسرة واحدة، هي أسرة رسول الله صلى الله عليه و سلم.

ولا يخفى ما في ذلك من جوانب الحماية، فهؤلاء أقرب الناس إليه، وأعرفهم به، وبصدقه، وإخلاصه، وحسن سيرته، لعشرتهم له، وهذا مما يجعلهم يؤمنون عن اقتناع ويقين، وهو ما حدث فعلًا .. وهذا النوع من الإيمان هو ما تتطلبه المرحلة، فهؤلاء يكتمون السر ولا يفشونه، كما أنهم يساعدونه في تحمل أعباء الدعوة، ويخففون عنه وطأة العناء.

وهو ما تم بالفعل، فعندما جاء إلى السيدة خديجة يرتجف فؤاده قائلًا: (زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي ... لقد خَشِيتُ على نفسي) ، كان رد خديجة رضي الله عنها: (كلا، والله ما يُخْزِيكَ اللهُ أبدًا، إنك لَتَصِلُ الرَّحِم، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نوائبِ الحق) [2] .. ولم تكتف

(1) - صحيح البخاري، باب بدء الوحي، ج 1 ص 2 - 3.

(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 238.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت