المطلب الأول: من الدار حتى دخول الغار
كانت بداية الهجرة من بيت أبي بكر رضي الله عنه [1] ، ومن ثم التوجه إلى الغار، ومنذ البداية يظهر لمن يتتبع وقائع الهجرة الاحتياط الأمني والتخطيط الدقيق والتنفيذ المتقن، مما يجعل هذه المرحلة من الهجرة تنطوي على عدة جوانب أمنية، من بينها:
أولًا: التوقيت المناسب للخروج:
غادر رسول الله صلى الله عليه و سلم بيته في ليلة سبع وعشرين من شهر صفر، وأتى دار رفيقه أبي بكر رضي الله عنه، ثم غادراها من باب خلفي، ليخرجا من مكة على عجل، وقبل أن يطلع الفجر [2] ، وهذا مما يشير إلى التخطيط الدقيق واختيار الوقت المناسب .. فالليل كما هو معلوم ستار آمن، يمكن التحرك فيه بكثير من الاطمئنان، مما يقلل من احتمالات رؤيتهما. هذا إلى جانب أن قيادة قريش كانت في هذا الوقت متجمعة حول بيت رسول الله صلى الله عليه و سلم معتقدة أن النبي صلى الله عليه و سلم بداخله، فكل تفكيرها وتدبيرها، كان مركزًا على هذا المكان، دون سواه، مما سهل مهمة الخروج لركب الهجرة في مثل هذا الوقت دون أن تعترضه عيون قريش، التي باتت ترقب سيدنا عليًا رضي الله عنه، ظنًا منها أنه النبي صلى الله عليه و سلم.
وكون هذا التحرك تم قبل الفجر، ربما كان على تقدير أن قريشًا لن تكشف حقيقة الأمر إلا بعد طلوع الفجر، بعد قيام عليّ رضي الله عنه عن فراش رسول الله صلى الله عليه و سلم، وهذا ما حدث فعلًا. يقول ابن إسحاق: (فلم يبرحوا حتى أصبحوا، فقام علي رضي الله عنه عن الفراش) [3] ، وبالتالي تكون الفرصة قد فاتت على قريش، وأن رسول الله صلى الله عليه و سلم وصاحبه قد وصلا إلى الغار بسلام.
أما خروجهم من الباب الخلفي، فهو من باب الاحتياط إذ هناك احتمال أن يكون بيت أبي بكر رضي الله عنه مراقبًا، وهو احتمال كبير للعلاقة الحميمة التي كانت تربط أبا بكر بالنبي صلى الله عليه و سلم، فإذا كانت المراقبة قائمة من بيت مجاور أو من مكان قريب، فستكون لباب البيت بالذات، يُرصد من خلاله الداخلون والخارجون .. وفي الخروج من مخرج سري، بعيد عن المراقبة، مراعاة للمحافظة الدائمة على السرية، ووضع الاحتمالات الكثيرة احتياطًا لتخطيط العدو ومراقبته [4] .
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 483. ودلائل النبوة للبيهقي ج 2 ص 473.
(2) - انظر السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 384. والرحيق المختوم لصفي الرحمن ص 194.
(3) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 283.
(4) - انظر المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان، ص 190.