بالأرض، ويأخذ عودًا، ثم يقول: (والله ما عدا عيسى ابن مريم ما قلتَ هذا العود!) ، وقال لهم: (اذهبوا فأنتم شيوم -أي آمنون- بأرضي) [1] .
بعد أن اشتد أذى قريش بالنبي صلى الله عليه و سلم، عقب وفاة عمه أبي طالب، ولم يجد في قريش معينًا، صمم على الخروج إلى الطائف، وربما اختارها عن سواها، لميزات تفضلها عن غيرها، كقربها من مكة، وكان له فيها خؤولة [2] ، كما أنه رضع في بني سعد، وهم بمقربة من الطائف، وفيهم مراضعه وحواضنه، والطائف تلي مكة في الأهمية واتساع العمران، ورفاهية السكان .. يقول الله تعالى: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) (الزخرف: 31) [3] .. وكانت الطائف مستقر عبادة اللات -صنم يُعبد، ويُحج إليه- وكانت تضارع في ذلك مكة، التي كانت مستقر عبادة (هُبَل) ، صنم قريش الأكبر [4] .
خرج النبي صلى الله عليه و سلم إلى الطائف ماشيًا على قدميه ذهابًا وإيابًا، معه مولاه زيد بن حارثة رضي الله عنه، وكان كلما مر على قبيلة في الطريق دعاهم إلى الإسلام، فلم تجبه إليه واحدة منها، فلما انتهى إلى الطائف عمد إلى ثلاثة أخوة من رؤساء ثقيف، فجلس إليهم ودعاهم إلى الله ونُصرة الإسلام، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسله. وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا غيرك. وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، إن كنت رسولًا، لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي أن أكلمك. فقام عنهم رسول الله صلى الله عليه و سلم، وقال لهم: إذ فعلتم فاكتموا عني.
فلم يسمعوا له، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، فوقفوا له صفين يسبونه، ويصيحون به، ويرجمونه بالحجارة، حتى اختضبت نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى أصابه شجاج في رأسه، ولم يزل به السفهاء حتى ألجأوه إلى حائط -بستان- لعتبة وشيبة ابني ربيعة، فلما رأوه تحركتْ له رَحِمَهُما، فَدَعَوَا غلامًا لهما نصرانيًا، يقال له عَدَّاس، فقالا له: خذ قِطْفًا من هذا العنب، فضعْه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه. ففعل عَدَّاس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم، ثم قال له: كُل، فلما وضع رسول الله صلى الله عليه و سلم فيه يدَهُ قال: (بسم الله) ، ثم أكل، فنظر عدّاس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله صلى الله عليه و
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 237.
(2) - انظر نور اليقين، محمد الخضري، ص 84.
(3) - القريتان هما: مكة والطائف.
(4) - انظر عيون الأثر لابن سيد الناس، ج 1 ص 166، والسيرة النبوية للندوي، ص 123.