فهرس الكتاب

الصفحة 61 من 100

بتسليم المهاجرين، وكان هذا الاتفاق قبل مقابلة النجاشي، مع الإصرار على عدم الكلام والتحدث مع المهاجرين.

فتخير الهدايا التي يحبها النجاشي، محاولة لكسب جانبه، وبالتالي فقد يرضخ لطلبهم، كما أن إعطاء الهدايا للبطارقة قبل النجاشي، فيه أيضًا محاولة لكسب حاشية الملك، التي غالبًا ما تشاركه اتخاذ القرار، وبالتالي قد تزين له ذلك القرار، وتحمله على الموافقة عليه، وخاصة أن رسولي قريش قد طلبا من القساوسة أن ينصحوا الملك بتسليم المهاجرين لهما.

كما أن تخير الوفد للألفاظ التي وُصف بها المهاجرون، بكونهم غلمان سفهاء قد فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دين الملك، إنما كان لإثارة الغضب والسخط على المهاجرين من قِبَل الملك وبطارقته، بحيث يصبحون مهيئين تمامًا لقبول طلب التسليم، دون أن يكلم الملك المهاجرين، وهذا ما تصبو إليه قريش.

وكان إصرار الوفد على عدم مقابلة النجاشي للمسلمين ليكلمهم، لعلمهم بأن الادعاء الذي قدموه، والوصف الذي وصفوهم به، لا يقوم على أساس من الصحة، فإذا كلمهم الملك اتضح له افتراء وفد قريش، مما قد يترتب عليه فشل الوفد في مهمته، وهذا ما حدث فعلًا عندما تكلَّم النجاشي إلى المهاجرين.

ـ تفوق المهاجرين على مكائد قريش:

وقع الاختيار على جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، ليمثل المهاجرين أمام الملك، فكان اختيارًا موفقًا، وظهر ذلك في فصاحته ولباقته، ومن خلال الحس الأمني العالي الذي امتاز به سيدنا جعفر، أثناء مخاطبته للنجاشي.

فأول ما فعله جعفر، أن عدد للنجاشي عيوب الجاهلية، وعرضها بصورة تنفِّر منها السامع، وقصد بذلك تشويه صورة قريش في عين الملك، وفي ذات الوقت إبراز محاسن الإسلام، التي هي نقيض لأفعال الجاهلية، إضافة إلى ذلك، فقد نفى التهمة التي لفقتها عليهم قريش، وقد نجح أيما نجاح، بدليل أن النجاشي طلب منه أن يقرأ عليه شيئًا من القرآن، فاختار سورة مريم، الأمر الذي أثَّر على النجاشي وبطارقته .. واختيار جعفر لسورة مريم، يظهر بوضوح حكمة وذكاء مندوب المهاجرين، فسورة مريم تتحدث عن مريم وعيسى عليهما السلام، فأثرت في النجاشي وبطارقته، حتى بكوا جميعًا. وبعد ذلك أصدر قراره في صالح المسلمين بعدم تسليمهم أبدًا.

ومع ذلك لم تيأس قريش من محاولة التأثير على موقف النجاشي، فلجأ وفدهم إلى محاولة أخيرة لا تخلو من دهاء أيضًا، فقد زعم عمرو أن المهاجرين يقولون في عيسى ابن مريم قولًا عظيمًا، وهذه بالطبع مكيدة عظيمة، تؤكد ما قلناه عن ذكاء ودهاء عمرو بن العاص، ولقد كان لهذه المكيدة أثرها البالغ على المهاجرين، حتى قال قائلهم: (لم ينزل بنا مثلها قط) .. وقد جعلت النجاشي يستدعيهم مرة أخرى، ولكن ذكاء وثبات المسلمين على الحق رد هذا السهم إلى نحور رماته، إذ كانت الإجابة واضحة، كما جاء بها الإسلام، هو عبد الله ورسوله، وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول، فهذا الرد جعل النجاشي يضرب يده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت