فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 100

بطارقته بِطْرِيق إلا دفعا إليه هديته، قبل أن يكلما النجاشي، وقالا لكل بطريق منهم: إنه قد ضَوَى -لجأ- إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مُبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بَعَثَنَا إلى الملك فيهم أشرافُ قومهم ليردوهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يُسْلِمَهم إلينا ولا يكلّمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينًا [1] ، وأعلمُ بما عابوا عليهم .. فقالوا لهما: نعم. ثم إنهما قَدَّما هداياهما إلى النجاشي، فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بَعَثَنَا إليك فيهم أشرافُ قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه ... قالت: ولم يكن شيء أبغضَ إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع كلامَهم النجاشي. قالت: فقالت بطارقته حوله: صَدَقَا أيها الملك. قومهم أعلى بهم عينًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. قالت: فغضب النجاشي، ثم قال: لاها الله، إذن لا أُسلمهم إليهما، ولا يُكاد قومٌ جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَن سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني) [2] .

ثم أرسل إلى الصحابة، وقبل أن يحضروا اتفقوا على أن يقولوا الحق الذي جاء به النبي صلى الله عليه و سلم، وكان ممثلهم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، فأجاب على أسئلة النجاشي وبين له الحقيقة، فرد النجاشي وفد قريش دون أن يسلمهم المهاجرين.

ـ تعقيب على الموقف:

وبالنظر إلى هذا الموقف، نستخلص أمرين هامين، هما دهاء قيادة قريش، وتفوق المهاجرين عليها .. والنص السابق يظهر بوضوح الدهاء والإحكام المتقن، في الخطة التي رسمتها قريش، للعودة بالمهاجرين، ويظهر ذلك من خلال الملاحظات التالية:

ـ نلاحظ ابتداءً الدقة في اختيار ممثلي الوفد، فعمرو بن العاص يعد داهية من دهاة العرب، يمتاز بالذكاء، وحسن التصرف، ولا يقل عنه في ذلك عبد الله بن أبي ربيعة، فهما من أهل الرأي والمشورة في قريش [3] ، فمثل هذه المهمة، تحتاج إلى نوعية معينة من الرجال، يمتازون بالذكاء، والحكمة، والدهاء، وحسن التصرف، حتى يكونوا أهلًا للقيام بها.

ـ ولعل من أميز ما يمكن ملاحظته في هذه المهمة، الاتفاق المسبق على كيفية التخاطب، وكيف يتم الحوار، فهم اختاروا أحب الهدايا للنجاشي، ثم قدموا هدايا لجميع البطارقة، وطلبوا منهم أن يشيروا على النجاشي

(1) - أعلى بهم عينًا: أي أبصر بهم من غيرهم.

(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 235 - 236.

(3) - مختصر سيرة الرسول، محمد بن عبد الوهاب، ص 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت