وثمة نقطة استراتيجية هامة، تمثلت في معرفة الرسول صلى الله عليه و سلم بما حوله من الدول والممالك، فكان يعلم طيبها من خبيثها، وعادلها من ظالمها، الأمر الذي ساعد على اختيار دار آمنة لهجرة أصحابه، وهذا ما ينبغي أن يكون عليه حال قائد الدعوة، الذي لابد أن يكون ملمًا بما يجري حوله، مطلعًا على أحوال وأوضاع الأمم، والحكومات من حوله، حتى إذا اتخذ قرارًا، يكون القرار مبنيًا على علم سابق مدروس، فتكون غالبًا نتائجه طيبة، بخلاف ما لو بناه على جهل وعدم معرفة.
أما جانب الحماية الكامن في كيفية الخروج، فيتمثل في كونه تم تسللًا وخفية، حتى لا تفطن له قريش فتحبطه، كما أنه تم على نطاق ضيق لم يزد على ستة عشر فردًا [1] ، فهذا العدد لا يلفت النظر في حالة تسللهم فردًا أو فردين، وفي ذات الوقت يساعد على السير بسرعة، وهذا ما يتطلبه الموقف، فالركب يتوقع المطاردة والملاحقة في أي لحظة.
ولعل السرية المضروبة على هذه الهجرة، فوتت على قريش العلم بها في حينها، فلم تعلم بها إلا مؤخرًا، فقامت في إثرهم لتلحق بهم، لكنها أخفقت في ذلك، فعندما وصلت البحر لم تجد أحدًا [2] .. وهذا مما يؤكد أن الحذر هو مما يجب أن يلتزمه المؤمن في تحركاته الدعوية، فلا تكون التحركات كلها مكشوفة ومعلومة للعدو بحيث يترتب عليها الإضرار به وبالدعوة.
ـ قيادة قريش تعمل على إعادة المهاجرين من الحبشة:
عز على قريش أن يجد المهاجرون مأمنًا لأنفسهم ودينهم، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا إلى النجاشي وفدًا منهم محملًا بالهدايا والتحف، كي يحرم المسلمين وده، ويطوي عنهم بشره، وتخيروا لهذه المهمة عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة، وقيل عمارة بن الوليد [3] .. ولكي نقف على مجريات هذه المحاولة، نورد هنا حديث أم سلمة رضي الله عنها عن رسولي قريش إلى النجاشي:
عن أم سلمة بنت أبي أمية قالت: (لما نزلنا أرض الحبشة، جَاوَرْنا بها خيرَ جارٍ، النجاشي، أَمِنَّا على ديننا، وعبدْنا الله تعالى، لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جَلَدَيْن، وأن يُهدوا إلى النجاشي هدايا مما يُستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأَدَم [4] ، فجمعوا له أَدَمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بَطَارِقَتِه بِطْرِيقًا إلا أَهْدَوْا له هدية، وقالوا لهما: ادفعا إلى كل بِطْرِيقٍ هديته قبل أن تُكلما النجاشي فيهم، ثم قَدِّما إلى النجاشي هداياه، ثم سَلاَهُ أن يُسلمهم إليكما قبل أن يُكلمهم. قالت: فخرجا حتى قدما على النجاشي، ونحن عنده بخير دار عند خير جار، فلم يَبْقَ من
(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 322، وانظر فقه السيرة للغزالي، ص 118، فزاد هذا العدد حتى وصل إلى ثلاثة وثمانين فردًا.
(2) - تاريخ الأمم والملوك، محمد بن جرير الطبري.
(3) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 334.
(4) - الأَدَم: الجلود، راجع لسان العرب، مادة (أدم) .