فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 100

سلم: (ومِن أي البلاد أنت يا عَدّاس؟ وما دينك؟) قال: نصراني وأنا رجل من أهل نِينَوَى [1] ، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (من قرية الرجل الصالح يونس بن متى؟) قال له: وما يدريك ما يونس ابن متى؟ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (ذاك أخي، كان نبيًا وأنا نبي) ، فأكبَّ عدَّاس ُعلى رسول الله صلى الله عليه و سلم يُقبَّل رأسه ويديْه وقَدَميْه.

ورجع رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى مكة، حتى إذا ما دنا منها، مكث بحراء، وبعث رجلًا من خزاعة إلى الأخنس بن شريق ليجيره، فاعتذر، ثم إلى سهيل بن عمرو فاعتذر، ثم إلى المطعم بن عدي فأجاره، ودخل مكة في جواره [2] .

نلمح من هذا النص، جوانب الحيطة والحذر الآتية:

ـ اختيار النبي صلى الله عليه و سلم للطائف، كان اختيارًا مبنيًا على أسس أمنية هامة، فكون الطائف قريبة من مكة، يجعل الوصول إليها سهلًا قليل المخاطر، كما أن وجود خؤولة له فيها ربما ضمن له جانبًا من الحماية وفق أعراف الجاهلية، وقرب ديار بني سعد، ربما أعانه على السير، لأنهم أخواله من الرضاعة، فلربما يكونون مأموني الجانب.

ـ خروج الرسول صلى الله عليه و سلم ماشيًا، يعد أيضًا تصرفًا حكيمًا، فعندما تراه قريش على هذه الحالة ماشيًا على قدميه، لا يخطر ببالها إطلاقًا أنه ينوي الخروج من مكة، أما لو خرج راكبًا فذلك مما يثير الشبهة والشكوك، وأنه ينوي الخروج والسفر إلى جهة ما، مما قد يعرضه للمنع من الخروج من قِبَل قريش، ولكن خروجه ماشيًا ضمن له مغادرة مكة دون اعتراض من أحد.

ـ واختيار الرسول صلى الله عليه و سلم زيدًا كي يرافقه في رحلته، فيه جوانب أمنية، فزيد هو ابن رسول صلى الله عليه و سلم بالتبني، فإذا رآه معه أحد، لا يثير ذلك أي نوع من الشك، لقوة الصلة بينهما، كما أنه صلى الله عليه و سلم عرف زيدًا عن قرب، فعلم فيه الإخلاص والأمانة، والصدق، والوفاء، فهو إذن مأمون الجانب، فلا يفشي سرًا، ويعتمد عليه في الصحبة، وهذا ما ظهر عندما كان يقي النبي صلى الله عليه و سلم الحجارة بنفسه، حتى أصيب بشجاج في رأسه.

ـ اتصاله صلى الله عليه و سلم برؤساء ثقيف قبل غيرهم، حين دخوله إلى الطائف، تصرف سليم، يتطلبه الموقف، وذلك لأن الأمر أمر نصر وتأييد، وهذا ما لا يتأتى إلا من سادات القوم لا من عوامهم، فإذا وافق هؤلاء كان الآخرون تبعًا لهم، لذا بدأ بهم الرسول صلى الله عليه و سلم دون غيرهم.

(1) - نينَوى: بكسر أوله، وسكون ثانيه، وفتح النون والواو، بوزن طيطَوى، وهي قرية يونس بن متى عليه السلام، بالموصل (راجع معجم البلدان لياقوت الحموي) .

(2) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 419، وصحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، ج 1 ص 458، وصحيح مسلم، باب ما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين، ج 2 ص 109، والبداية والنهاية لابن كثير، ج 1 ص 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت