وعندما كان رد هؤلاء النفر ردًا قبيحًا مشوبًا بالاستهزاء والسخرية، تحمله الرسول صلى الله عليه و سلم ولم يغضب أو يثور، بل طلب منهم أن يكتموا عنه، فهذا تصرف غاية في الحيطة، فإذا علمت قريش بهذا الاتصال، فإنها لا تسخر منه فحسب، بل ربما شددت عليه في العذاب والاضطهاد، وحاولت رصد تحركاته داخل وخارج مكة.
ـ وفي حواره مع عداس، ظهرت براعته صلى الله عليه و سلم في كيفية إدارة الحوار، مما ترتب عليه أن أصبح عداس يسأل عن المعلومة من الرسول صلى الله عليه و سلم والإنسان حين يسأل عن المعلومة، فإنه يهتم بها، ويعي مضمونها، بخلاف ما لو أُلقيت عليه دون أن يطلبها، لذا كان أثر تلك المعلومة على عداس واضحًا، فنجم عن ذلك أن قبّل رأس ويدي وقدمي رسول الله صلى الله عليه و سلم، وأعلن إسلامه [1] .
ـ وحين عاد الرسول صلى الله عليه و سلم من الطائف إلى مكة، لم يدخلها، بل ذهب إلى غار حراء وجلس فيه، حيث يعد ذلك تصرفًا أمنيًا تمليه الظروف والملابسات، فالرسول صلى الله عليه و سلم أدرك أن قريشا علمت بخروجه لا سيما وقد مكث في الطائف عشرة أيام.
ـ الرسول صلى الله عليه و سلم يستفيد من قوانين وأعراف الجاهلية:
كانت للجاهلية أعراف وقوانين تقدسها وتحترمها، ولعل في مقدمتها أعراف وقوانين الجوار أو الحماية، فإذا دخل أحد في جوار زيد من الناس فلا يحق لأحد أن يناله بأذى، أو يتعرض له بسوء.
فَقَبْلَ أن يدخل الرسول صلى الله عليه و سلم مكة عائدًا من الطائف، حاول الاستفادة من هذا القانون أو العرف (الجوار) ، فأرسل إلى من يأخذ له الجوار من أحد أشراف مكة، وقد وفق في ذلك، حيث أجاره المطعم ابن عدي، فدخل مكة.
ولقد استفاد الرسول صلى الله عليه و سلم من هذا الجوار أيما فائدة، فقد عاد إلى دعوة الناس لدين الله، كما كان يفعل في جوار عمه أبي طالب .. ولولا أن هيأ الله له هذا الجوار، لما كان من اليسير عليه القيام بأمر الدعوة في تلك الظروف الحرجة، حيث تعد تلك الفترة من أحرج فترات الدعوة، وكانت تحتاج لوجود النبي صلى الله عليه و سلم داخل مكة في هذا الوقت بالذات، والذي كان من ثمراته الاتصال بأهل المدينة، وتوقيع بيعة العقبة الكبرى.
أما الجانب الأمني في إرسال رجل من خزاعة دون زيد بن حارثة، ليؤمن الجوار لرسول الله صلى الله عليه و سلم فلأن زيدًا مسلم معلوم الإسلام، فهذا يقف حجر عثرة أمام قيامه بمهمة كهذه المهمة الحساسة. أضف إلى ذلك رفقته لرسول الله صلى الله عليه و سلم، فربما قبضت عليه قريش بمجرد دخوله مكة، مما ينتج عنه فشل المهمة، وقد يتمكنوا من خلاله الوصول إلى مكان رسول الله صلى الله عليه و سلم، فتحاشيًا لهذه الاحتمالات، لم يرسل الرسول صلى الله عليه و سلم زيدًا في هذه المهمة.
(1) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 134، وانظر نور اليقين، محمد الخضري، ص 75.