فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 100

رابعًا: أسلوب الاختطاف:

لم تكتف قيادة قريش بالمسلمين داخل مكة، لمنعهم من الهجرة، بل تعدت ذلك إلى محاولة إرجاع من دخل المدينة مهاجرًا، فقامت بتنفيذ عملية اختطاف أحد المهاجرين، ولقد نجحت هذه المحاولة، وتم اختطاف المهاجر من المدينة وأعيد إلى مكة.

يقول عمر رضي الله عنه: ( ... فلما قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف بقباء، وخرج أبو جهل بن هشام والحارث بن هشام إلى عياش بن ربيعة وكان ابن عمهما، وأخاهما لأمهما، حتى قَدِمَا علينا المدينة، ورسول الله صلى الله عليه و سلم بمكة، فكلماه وقالا: إن أُمَّكَ قد نذرت أن لا يمسَّ رأسَها مِشْطٌ حتى تراك، ولا تستظل من شمس حتى تراك، فرقّ لها. فقلت له: يا عياش! إنه والله إن يريدك القوم إلا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو قد آذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلَّت. قال: فقال: أبرّ قسم أمي، ولي هناك مال فآخذه. قال: فقلتُ: والله إنك لتعلم أني لمن أكثر قريش مالًا، فلك نصف مالي ولا تذهب معهما. قال: فأبى عليَّ إلا أن يخرج معهما، فلما أبى إلا ذلك، قلت له: أما إذ قد فعلت ما فعلت فخذ ناقتي هذه، فإنها ناقة نجيبة ذلول فالزم ظهرها إن رابك من القوم ريب فانج عليها. فخرج عليها معهما، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يا ابن أخي! والله لقد استغلظتُ بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟ قال: بلى. قال: فأناخ وأناخا ليتحول عليها، فلما اسْتَوَوْا بالأرض عَدَوَا عليه فأوثقاه وربطاه ... ثم دخلا به مكة نهارًا موثَّقًا، ثم قالا: يا أهل مكة! هكذا فافعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا) [1] .

هذه الحادثة تظهر مدى دقة الخطة التي نفذت بها قريش عملية الاختطاف، حيث قام بهذه المهمة أبو جهل، والحارث، وهما إخوة عياش من أمه، الأمر الذي جعل عياشًا يطمئن لهما، وبخاصة، إذا كان الأمر يتعلق بأمه، فاختلق أبو جهل هذه الحيلة لعلمه بمدى شفقة ورحمة عياش بأمه، والذي ظهر جليًا عندما أظهر موافقته على العودة معهم .. كما تظهر الحادثة الحس الأمني العالي الذي كان يتمتع به عمر رضي الله عنه، حين صدقت فراسته في أمر الاختطاف، وحين أعطى عياشًا رضي الله عنه ناقته النجيبة.

ومن جوانب إحكام الخطة، تلك الحيلة التي استطاع بها أبو جهل، أن يُنزل عياشًا رضي الله من الناقة السريعة، فجرده من أخطر سلاح يملكه، وبدونه بات صيدًا سهلًا لأبي جهل والحارث، الأمر الذي مكنهم من تقييده، والرجوع به إلى مكة .. تظهر هذه الحيلة مدى ذكاء وحسن تصرف أبي جهل، حيث استولى على سلاح عياش رضي الله عنه قبل أن يأسره، فحتى لو حدث وتخلص عياش من القيد، لن يجد الوسيلة التي تمكنه من الهرب.

وفي قول أبي جهل: (يا أهل مكة! فافعلوا بسفهائكم، كما فعلنا بسفيهنا هذا) ، تحريض لقريش، كي تقوم بعمليات اختطاف مماثلة لأقاربهم بالمدينة. كما أنه محاولة لغرس نوع من اليأس والقنوط في قلوب المسلمين

(1) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 475.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت