فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 100

ويلاحظ أن هذه الدار كانت محاطة بالكتمان التام، ولم يرد ­فيما اطلعنا عليه­ أن قريشًا داهمت ذات يوم هذا المقر السري، بل أقصى ما توصلت إليه هو شكها أن يكون اللقاء في دارٍ عند الصفا .. ومما يدل على ذلك، أن قياديًا مثل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عندما أراد إعلان إسلامه، لم يعرف مكان النبي صلى الله عليه و سلم، فلو كانت تلك الدار معلومة لدى قريش، لما سأل عنها، بل لذهب إليها مباشرة .. وهذا يظهر مدى حرص الصحابة رضي الله عنهم على إخفاء خبر هذه الدار، فلم يبوحوا بها إلى أحد سوى المسلمين فقط.

ـ ولعل تنظيم الدخول والخروج، من العوامل الهامة، التي ساعدت على الاحتفاظ بسرية المقر، فعملية الخروج والدخول إذا لم تنظم، تعتبر من أخطر الجوانب الأمنية، التي يؤدي إغفالها إلى كشف ومعرفة المقر .. وهذا التنظيم الدقيق، يظهر لنا من خلال موقفين:

الأول، لسيدنا علي مع سيدنا أبي ذر، رضي الله عنهما. فعندما أراد سيدنا عليّ أخذ سيدنا أبي ذر إلى دار الأرقم، لمقابلة الرسول صلى الله عليه و سلم، اتفق معه على مصطلح معين في حالة وجود مراقبة، أو متابعة من قِبَل الأعداء، فقال له: (إن رأيت أحدًا أخافه عليك، قمت إلى الحائط كأني أصلح نعلي) ، وفي لفظ: (كأني أريق الماء، فامض أنت) [1] . وبناء على هذا النص، يتجلى الاهتمام بعملية الذهاب إلى المقر، فهو يدل على أن عليًا بن أبي طالب، رضي الله عنه، كان يراقب الأعداء أثناء ذهابه إلى المقر، فإذا رأى من يراقبه غيَّر وجهته، وأمر أبا ذر ­هنا­ أن يغير وجهته، بقوله: (فامض أنت) .

والموقف الثاني، لأم جميل مع سيدنا أبي بكر رضي الله عنهما. فعندما أخذت أم جميل وأم الخير سيدنا أبا بكر رضي الله عنه، إلى دار الأرقم، قال ابن كثير: (فأمهلتا ­أي أم جميل وأم الخير­ حتى إذا هدأت الرِّجْلُ، وسكن الناس، خرجتا به، يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله صلى الله عليه و سلم) [2] .

هذا السلوك، يعتبر قمة الاحتياط، لعملية الذهاب، ففي هذا الوقت، عندما تهدأ الأرجل، ويسكن الناس، تقل أو تنعدم المراقبة، وبالتالي يكون الذهاب إلى المقر محاطًا بالاحتياطات شبه التامة.

ومن جوانب الحماية التي روعيت في دار الأرقم، تصميم الباب الذي ترك فيه شقوق ­أي فتحات­ يمكن من خلالها مشاهدة مَن بالخارج، ومعرفة هويته، ومن ثم يتم التصرف، وفقًا لذلك، ويظهر لنا ذلك في قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله عنه، حين طرق الباب، فقبل أن يُفتح له، نظر أحد الصحابة من خلل الباب، فتأكد من هوية الطارق، بأنه عمر، جاء متقلدًا سيفه [3] ، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه و سلم .. فوجود هذه الفتحات، ييسر معرفة الطارق .. ولكن هناك أمر لابد من مراعاته، هو أهمية تغطية هذه الفتحات من الداخل أو تصميمها بطريقة تمنع مَن بالخارج من رؤية الذي بالداخل، مثل ما تعارف الناس على تسميته

(1) - تاريخ عمر بن الخطاب، أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي، مطبعة التوفيق، مصر، ص 10.

(2) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 30.

(3) - الكامل في التاريخ لابن الأثير، ج 3 ص 87، دار بيروت للطباعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت