سلم وصاحبه [1] ، وكانت قريش قاب قوسين أو أدنى من بغيتها، حتى قال سيدنا أبو بكر رضي الله عنه: (يا نبي الله! لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا) [2] .
وهنا تدخلت العناية الإلهية، فرأت قريش على باب الغار نسج عنكبوت، فقالوا: لو دخل هاهنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه، فرجعت قريش عن الغار [3] .
ويمكن أن نلمح من هذه الحادثة عدة أمور، منها:
ـ أنه حين يبلغ الجهد البشري مداه المطلوب، وحين تستنفد الطاقة البشرية، فإن الله تعالى يرحم عبده المؤمن، ويحفظه من كيد الأعداء.
ثانيًا: التجسس ورصد تحركات قيادة قريش:
كلما كانت القيادة أعلم بواقع العدو، وأدرى بأسراره، ولها في صفوفه من ينقل لها تخطيطهم، كلما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خططها ومخططاتها [4] .. لذا أمر سيدنا أبو كر رضي الله عنه ابنه عبد الله أن يتسمع لهما ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى، بما يكون في ذلك اليوم من الخبر [5] .. وقد قام عبد الله بهذا الدور خير قيام، يقول ابن حبان: ( ... يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام ثقف لقن، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح بمكة مع قريش كبائت بها، فلا يسمع أمرًا يُكاد به، إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام) [6] .
تتضح من النص عدة أمور لها أهميتها هنا:
ـ الصفات التي يمتاز بها عبد الله، فهو ثقف، أي حاذق فَطِن، ولقن، أي سريع الفهم، وهذه من السمات المطلوب توفرها فيمَن يقوم بمثل هذه المهمة [7] .. فالذكاء يساعده على حسن التصرف حيال المواقف الحرجة، التي قد تصادفه إبان القيام بمهمته، كما يساعده في استخدام الوسيلة المثلى في الحصول على المعلومة دون زيادة أو نقص، مما يجعل المعلومة التي يأتي بها تمتاز بقدر كبير من الصحة.
ـ ذهابه إليهم ليلًا سرًا، وعودته عند السحر، يبعده عن خطر مراقبة قيادة قريش، لأن الظلام كما هو معلوم ساتر مناسب لمن يقوم بمثل هذه المهمة الحساسة، فدخول مكة سحرًا، يبعد عنه شبهة الاتصال بالنبي صلى الله عليه و سلم، فيصبح وكأنه بائت بمكة لا بالغار، وهذا قمة في الحيطة والحذر ودقة التخطيط،
(1) - المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان، ص 192.
(2) - رواه البخاري، باب هجرته صلى الله عليه وسلم.
(3) - رواه الإمام أحمد، وقال ابن كثير: وهذا إسناد حسن، البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 179.
(4) - المنهج الحركي للسيرة النبوية، منير محمد الغضبان، ص 191.
(5) - السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 485، وتاريخ ابن خلدون ج 2 ص 15.
(6) - السيرة النبوية لابن حبان، ص 130.
(7) - انظر المخابرات والعالم، سعيد الجزائري، ص 15، 35.