فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 100

أساليب قيادة قريش لصد القبائل عن الدعوة:

لقد استخدمت قيادة قريش لصد القبائل عن الدعوة عدة أساليب، فكانت تارة تبعث مندوبها خلف الرسول صلى الله عليه و سلم يشوه شخص الرسول صلى الله عليه و سلم ودعوته، قال ربيعة بين عباد الديلي: (رأيت الرسول صلى الله عليه و سلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول:(قولوا لا إله إلا الله، تفلحوا) والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيئ الوجه أحول، ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب، يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه، فقالوا: عمه أبو لهب) [1] .

وتارة أخرى تتعقبه قريش إلى القبائل التي يتحدث إليها، وقد أوشك أن يؤثر في بعضها، فكانت قيادة قريش تأتي بعده فتشوه الحقيقة، وتحذر من مغبة التأثر به وتصديقه، فغالبًا ما يذهب الأثر عقب ذلك التشويه، بدليل ما جرى مع قبيلة بكر، التي تأثرت، بل وأوشكت أن تعتنق الإسلام عقب ملاقاة الرسول صلى الله عليه و سلم وحديثه معهم.

ولكن قبل أن تختمر الفكرة في عقول بني بكر، مر عليهم أبو لهب، قالوا له: (هل تعرف هذا الرجل؟ قال: نعم، هذا في الذروة منا، فعن أي شيء تسألون؟ فأخبروه بما دعاهم إليه، وقالوا زعم أنه رسول الله. قال: ألا لا ترفعوا برأسه قولًا، فإنه مجنون يهذي من أم رأسه، قالوا: قد رأينا ذلك حين ذكر من أمر فارس ما ذكر) [2] .

فواضح من الحوار السابق بين أبي لهب، وبني بكر، أن أبا لهب جاء إليهم عقب مغادرة الرسول صلى الله عليه و سلم مباشرة، وذلك كان عن طريق غير مباشر حيث مر عليهم، وكان يتوقع أن يسألوه عن محمد فتحقق له ذلك، فاستغل السانحة للقيام بمهمته، فعندما سألوه عن شخص النبي صلى الله عليه و سلم، أجاب بالثناء على سمو نسبه، وذلك ليطمئن إليه بنو بكر، ويصدقوه فيما يزعمه من بعد، وبذكاء خبيث أدار السؤال عليهم، ليأخذ منهم معلومة هامة بالنسبة له، فقد علم أنهم دُعوا إلى الإسلام، وأنهم على وشك الإجابة، وبناء على ذلك حاول أبو لهب إزالة هذا الأثر، فأخبرهم عن كونه مجنونًا يهذي، لا يُعتد بقوله. وقد صدقه بنو بكر، وبالتالي تكون قريش قد نجحت في مهمتها تلك.

ولقد كان لهذه الأساليب أثرها الكبير في صد القبائل عن الدعوة، حيث كان رد معظم القبائل: قوم الرجل أعلم به، أترون أن رجلًا يصلحنا، وقد أفسد قومه ولفظوه [3] . وما يؤيد ذلك، عدم استجابة كل القبائل التي عرض عليها الإسلام، كما مرّ معنا في صدر هذا المطلب.

(1) -المرجع السابق، ج 3 ص 137، وانظر مختصر سيرة الرسول، محمد بن عبد الوهاب، ص 131.

(2) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 138.

(3) - المرجع السابق، ص 138.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت