لعل الإجابة تكمن في أن هذا الجانب، كان من ضمن ما يتلقونه من النبي صلى الله عليه و سلم، وهذا ربما يعلل اختلاف التصرفات للصحابة بعد الإسلام .. ومما يؤكد تلقي الصحابة لهذه التربية الأمنية من النبي صلى الله عليه و سلم، الأحاديث التي تؤيد ذلك ومنها: (استعينوا على إنجاح الحوائج بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود) [1] .
فيما سبق، أوردنا نماذج تعبر عن مدى توفر الحس الأمني لدى الصحابة رضي الله عنهم في بدء الدعوة، حيث تبين مدى تغلغل هذا الجانب في نفوسهم، حتى أصبح سمة مميزة لكل تصرف من تصرفاتهم الخاصة والعامة، فأتت تحركاتهم وتصرفاتهم منظمة ومدروسة .. ولهذا فما أحوجنا الآن لمثل الحس الذي كان عند الصحابة بعد أن أصبح للأمن في عصرنا أهمية بالغة في زوال واستمرار الحضارات، وأصبحت له مدارسه الخاصة وتقنياته المتقدمة، وأساليبه ووسائله المتطورة، وأجهزته المستقلة، وميزانياته ذات الأرقام الكبيرة، وأضحت المعلومات عامة والمعلومات الأمنية خاصة، تباع بأغلى الأثمان، ويضحى في سبيل الحصول عليها بالنفس إذا لزم الأمر [2] .
وما دام الأمر كذلك، فعلى المسلمين الاهتمام بالناحية الأمنية، حتى لا تصبح قضايانا مستباحة للأعداء، وأسرارنا في متناول أيديهم. ولابد أن يكون كلامنا موزونًا، فلا نلقي القول على عواهنه، فرب كلمة يقولها عابر سبيل في مقهى، أو سيارة أو نادي يتلقفها جاسوس، أو عميل تؤدي إلى نكبة قاصمة للظهر، وخسائر فادحة في الأرواح والأموال [3] .
وعلى المسلمين الاهتمام بالحس الأمني، والتحدث عن ذلك في جميع مؤسساتهم السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، وأن تكون التوعية عبر وسائل الإعلام المسموعة، والمقروءة، والمشاهدة، وعبر المؤسسات التعليمية على مختلف مراحلها.
كما لابد أن يُنَبَّه الناس إلى خطورة الإهمال، وتتم توعيتهم بالمواضيع التي لا يجوز أن يخوضوا فيها أمام العامة، حتى يدركوا مع من يتكلمون؟ ومتى؟ وأين؟ وكيف؟ ويحاطوا علمًا بأساليب، ووسائل الأعداء في الحصول على المعلومات، وتقدم لهم الأدلة الشرعية الدالة والآمرة بالتزام هذا الجانب، وتلك التي تتوعد من يفشي سر الأمة، وعقوبة ذلك في الدنيا والآخرة .. وبقليل من البذل والعمل، يمكن أن يتحول المجتمع المسلم كله، إلى حواس متقدمة، تعمل بدقة في خدمة الأمة وأهدافها.
(1) - أخرجه السيوطي في الجامع الكبير، وأبو نعيم في الحلية.
(2) - انظر كتاب (صائد الجواسيس) لبيتر رايت، و (أحجار على رقعة الشطرنج) لوليام غاي كار.
(3) - انظر دروس في الكتمان، محمود شيت خطاب، ط مؤسسة الرسالة، بيروت، ص 9.