فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 100

بمكة، وارتد ناس ممن كان آمن به من ضعاف القلوب، وسعى رجال إلى أبي بكر رضي الله عنه، فقال قولته المشهورة: إن كان قال ذلك فقد صدق [1] .

لقد استغلت قريش هذه الحادثة في الدعاية ضد النبي صلى الله عليه و سلم، منذ أن تلقفتها على يد أبي جهل، الذي حاول استخدام ذكائه، حين طلب من الرسول صلى الله عليه و سلم أن يجمع له قريش فيخبرهم بالذي أخبره به، لأنه تأكد أن مثل هذا الخبر، إذا نقله بنفسه، قد لا يصدقه الناس، وفي ذات الوقت لا يلقى الرواج والنجاح الذي يلقاه عندما يصدر من الرسول صلى الله عليه و سلم. وهذا ما حدث، حيث كان رد فعل قريش التصفير والتصفيق والسخرية. وما أصعب على رجل صادق أمين، أن يُرمى بالكذب، ويُسخر منه.

وكان من أكبر ما تحصلت عليه قريش من الحادثة، ارتداد بعض ضعاف الإيمان .. ولم تكتف قيادة قريش بذلك، بل حاولت استغلال الحادثة، لإحداث فُرقة بين النبي صلى الله عليه و سلم، وصديقه الحميم أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولكنها باءت بالفشل.

ولولا الحس الأمني العالي لدى النبي صلى الله عليه و سلم، لكانت تلك الحادثة سببًا في ارتداد كثير من الناس، وذلك بتقديمه لأدلة قاطعة على رحلته تلك، وأثناء الرحلة، حيث ذكر مكان عير لقريش، حينما ند عنهم بعير، وكذلك شرب من إناء مغطى، فشرب كل ما فيه وتركه مغطى، وقد حدد لقريش مكان وزمان فعله هذا، حين دلهم على اسم الوادي الذي دل فيه العير على البعير، والمكان الذي شرب فيه الماء [2] . فعندما جاءت العير أثبتت ما قاله المصطفى صلى الله عليه و سلم، فكان ذلك بمنزلة تثبيت للمؤمنين، وإبطال لمفعول الدعاية، التي حسبت قريش أنها بها تستطيع خلخلة أسس الدعوة.

كما أن القرآن كان بمثابة البلسم الشافي لدرء خطر هذا الأسلوب الخبيث الذي لجأت إليه. فعندما لجأت قيادة قريش إلى أسلوب السخرية والاستهزاء بالرسول صلى الله عليه و سلم وصحبه، جاءت آيات القرآن مواسية لهم، قال تعالى: (ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون) (الأنعام: 10) ، فهذه الآية، بينت أن هذا الأسلوب استخدم مع سالف الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، وفي ذلك سلوى للرسول صلى الله عليه و سلم وصحبه. ثم وضحت مصير الساخرين والمستهزئين، وأن الغلبة للحق وأهله، وفي ذلك إعطاء أمل للمسلمين يجعلهم يصبرون، ويتحملون تلك السخرية. وفي ذات الوقت تهديد ووعيد للكفار، الأمر الذي ربما يكون له أثره النفسي عليهم.

ثم إن القرآن رد على شبهة الكفار، التي زعموا فيها أن الذي علم الرسول صلى الله عليه و سلم بَشَر ­بلعام­ قال تعالى: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (النحل: 103) ، ففند تلك الشبهة بصورة قاطعة، حيث بيّن أن بلعام أعجمي اللسان، بينما القرآن عربي

(1) - البداية والنهاية لابن كثير، ج 3 ص 111. ونور اليقين، محمد الخضري، ص 79، وحياة محمد لمحمد حسين هيكل، ص 209.

(2) - انظر السيرة النبوية لابن هشام، ج 1 ص 402. والرحيق المختوم لصفي الرحمن، ص 166.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت