هذا مع اتفاق العلماءِ على أنَّ البخاريَّ كانَ أجلَّ مِنْ مُسْلمٍ في العلوم، وأعرفَ بصناعةِ الحديثِ منه، وأنَّ مُسلمًا تلميذُه وخِرّيجُه ولم يزلْ يستفيدُ منه ويتَّبِعُ آثارَه، حتى لقد قال الدارقطنيُّ (١) : "لولا البخاريُّ لَمَا راحَ مُسلمٌ ولا جاءَ" .
ومِنْ ثَمَّ أي مِنْ هذه الحيثية -وهي أرجحيَّةُ شرطِ البخاري على غيره- قُدِّمَ صحيحُ البخاري على غيره من الكتب المصنَّفة في الحديث.
ثُمَّ صحيحُ مُسلمٍ، لِمُشاركتِه للبخاري في اتفاق العلماءِ على تلقّي كتابهِ بالقَبول أيضًا سِوى ما عُلِّلَ.
ثُمَّ يُقَدَّمُ في الأرجحيَّة من حيثُ الأصَحِّيَّةُ ما وافقَه شَرْطُهُما، لأنَّ المرادَ به رواتُهما مع باقي شروط الصحيحِ، ورواتُهما قد حَصَلَ الاتفاقُ على القول بتعديلهم بطريق اللُّزومِ، فهُمْ مُقَدَّمُونَ على غيرِهم في رواياتهم، وهذا أصلٌ لا يُخْرَجُ عنه إلّا بدليل (٢) .
فإنْ كانَ الخبرُ على شرطِهما معًا كان دونَ ما أخرجَه مُسلِمٌ أو مِثْلَه.
وإنْ كان على شرطِ أحدِهما فَيُقَدَّمُ شرطُ البخاري وحدَه على شرط مُسلِمٍ وحْدَهُ تبعًا لأصل كلٍّ منهما، فخَرَجَ لنا من هذا سِتَّةُ أقسامٍ تتفاوتُ درجاتُها في الصِّحَّةِ.
وثَمّ قِسمٌ سابعٌ وهو ما ليس على شرطهما اجتماعًا وانفرادًا، وهذا