فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 60

الصفات اللازمة شرعًا التي تلازم المؤمنين في كل أحيانهم: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [التوبة: 71] .وأما تكوين الجماعة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد أرشد إلى ذلك قوله ـ تعالى ـ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104] . قالت طائفة من أهل العلم إن «من» في قوله {مِّنكُمْ} تبعيضية فيكون المراد على ذلك «ولتكن جماعة من المسلمين» ، وقالت طائفة أخرى إن «من» هنا بيانية فيكون المراد، «ولتكونوا جميعًا أمة» .

وهنا ملاحظة مهمة في بيان حقيقة هذه الفريضة كشفت عنها ألفاظ الآية، وهي أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ليس مجرد دعوة للحض على فعل الخير وترك الشر؛ بل هو أمر ونهي، والأمر والنهي حقيقة لا يكون إلا ممن يقدر على الإلزام به، وهذا يستدعي أن تكون لهذه الجماعة سلطة تمكنها من ذلك، وهو معنى أنها ولاية ذات قدرة ومنعة، ولذلك فقد فرقت الآية بين هذا العمل وبين الدعوة إلى الخير، ففرقت بينهما في سياق واحد؛ مما يدل على تغايرهما وإن كانا يعملان في دائرة واحدة، فقال ـ تعالى ـ: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلَى الْخَيْرِ وَيَامُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [آل عمران: 104] ، وقد وجدت هذه الجماعة في الدولة الإسلامية باسم «الحسبة» ، وقد تحدثت كتب الأحكام السلطانية وغيرها عن صفات والي الحسبة وأعوانه واختصاصاتهم وصلاحياتهم وغير ذلك من الأمور المتعلقة بها. وقد نشأت الحسبة كأي تدبير تنظيمي على حسب الحاجة إليها، ثم مع الاتساع وتطور الحياة وتشابك المصالح حينًا وتعارضها حينًا آخر؛ أخذت الحسبة تتطور في وسائلها تبعًا لذلك، ولكن في إطار محكوم لا تخرج عنه، وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والهدف المحافظة على المجتمع في العقائد والعبادات والسلوك والمعاملات.

كما نشأت أيضًا ولاية المظالم والتي كانت من مهامها «النظر في تعدي الولاة على الرعية، فيتصفح عن أحوالهم ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم إن عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا» [1] ، والحسبة في الجانب السياسي كانت موجودة في التاريخ الإسلامي بل لا يكاد يخلو منها عصر

(1) - الأحكام السلطانية، لأبي يعلى الفراء (ص 76) ، ومثله الأحكام السلطانية، للماوردي، (ص 84) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت