فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 60

من العصور، لكن كما تم تنظيم ذلك في جانب العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات؛ فإنه يكون من الأوفق، خاصة في عصرنا، أن يتم أيضًا تنظيم الحسبة في الجانب السياسي من خلال هيئة تُعنى به وتقوم عليه، وذلك لتحقيقه وليس لتعقيده؛ من غير أن يكون في ذلك قيد على آحاد المسلمين بالقيام بالحسبة في هذا الجانب، وليس في ذلك إحداث أو ابتداع؛ إذ ذلك من قبيل الطرق العملية لتنفيذ الأحكام الشرعية، وقد تقدم الكلام عن ذلك بما أغنى عن إعادته. وقد بيّن شيخ الإسلام أن ترك فعل شيء لعدم وجود المقتضي لفعله؛ لا يعد فعله بعد ذلك بدعة إذا قام المقتضي لفعله، وذلك مثل جمع المصحف، وتدوين الكتب ونحو ذلك [1] .

وأهل الحل والعقد ـ بصفاتهم التي تقدم ذكرها ـ هم أليق فئة تناط بها مهام الحسبة في الجانب السياسي. ويمكن لأهل الحل والعقد أن يتابعوا ويراقبوا مؤسسة الخلافة وما ارتبط بها من المعاونين، كالوزراء وأمراء الأقاليم ونحوهم، لضمان تقيدهم بالشريعة وعدم الخروج عليها، فمن ذلك مثلًا:

1 -متابعة التشريعات واللوائح والتنظيمات التي يصدرها الخليفة أو من يعاونه.

2 -متابعة قيام الخليفة وأعوانه بواجباتهم الملقاة على عواتقهم.

3 -متابعة علاقة الدولة بالعالم الخارجي، من حيث حالة الحرب أو العهد أو الذمة، وغير ذلك من الأمور التي يتابع فيها أهل الحل والعقد انتظام الأمور في الدولة الإسلامية والتزامها بأحكام الشريعة.

وليس لأهل الحل والعقد أن يتدخلوا في أعمال الخليفة؛ إنما عليهم المراقبة والمتابعة والتأكد من جريان الأمور على الوجه الشرعي المطلوب، ولهم أن يستعينوا في عملهم بمن يحتاجون إليه من العلماء والفقهاء والقضاة وأصحاب الاختصاصات في المجالات التقنية الدنيوية.

وليس لأهل الحل والعقد ولاية على الخليفة، بل هو له الولاية عليهم، وهم فيمن يبايعه على السمع والطاعة، وعليهم أن يطيعوا الخليفة فيما يأمرهم به؛ مثلهم في ذلك مثل باقي الرعية، إلا أن يأمرهم بعدم المتابعة والمراقبة، فذلك لا يجوز؛ لأنهم يؤدون واجبًا شرعيًا، والخليفة لا يملك عزل واحد من أهل الحل والعقد ما دام قائمًا بواجباته من غير إخلال بها.

(1) - انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، 26/ 171.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت