فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 60

4 ـ اضطرار كثير من أصحاب ذلك التصور إلى عدم الإفصاح الصريح عن تصوراتهم، والتخفي وراء بعض العبارات الإسلامية، بل إظهار أنفسهم بأنهم في الصف المعادي للعلمانية، وأنهم من المؤيدين للمقولة المشهورة: «إن الإسلام دين ودولة» ، والاكتفاء في ترويج مذاهبهم بالدس في العبارات، وإن كانت حقيقة مواقفهم لا تخفى على الناقد البصير.

وإذا كان الاتجاه العلماني ـ الذي يقوم على فصل الدنيا عن الدين، ومنع قيومية الدين على الحياة ـ قد هُزم في مجال الأفكار والتصورات وبناء النظريات؛ فإن هذا لم يمنع أن يكون هو المتغلب حقيقة على الواقع السياسي في الأغلب الأعم من ديار المسلمين، فقد ألغيت الخلافة منذ أكثر من ثلاثة أرباع قرن، وتفككت أوصال دولها، وصارت تركيا ـ مركز دولة الخلافة ـ دولة قومية علمانية، تنص على ذلك في دستورها، وتحمي علمانيتها بالحديد والنار.

وكذلك فإن الكيانات السياسية التي نشأت على أنقاض الخلافة المهدَّمة؛ هي أيضًا من حيث الواقع والممارسة دول علمانية، وإنْ نصَّ بعضها في دستور البلاد على بعض الألفاظ التي قد توهم خلاف ذلك؛ مثل «مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيس للتشريع» أو «المصدر الرئيس» أو نحو من ذلك، فإنك لا تكاد تجد غير تلك العبارة في أي من مواد الدستور مما يثبت صلته ونسبه للإسلام، بل تجد فيه ما ينص على أن الدولة ديمقراطية، أو قومية، أو اشتراكية، ونحو ذلك من تلك الأمور.

وإذ توقفت المعركة الفكرية عند حد هزيمة الفكر العلماني في نفيه لعلاقة الإسلام بالحكم والسياسة، وقبول غالبية هذا الاتجاه بتلك النتيجة ولو ظاهريًا على الأقل (وإن كان يحاول تطويقها والالتفاف عليها من خلال دروب ومسالك متعرجة) ؛ فإننا لسنا بحاجة في هذه الدراسة الموجزة للتدليل على فساد النظرية العلمانية في علاقة الدين بالسياسة [1] ، ويكفينا الحديث عن

(1) - يمكن مراجعة عدة كتب في ذلك؛ منها: (نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم) للشيخ محمد الخضر حسين، و (حقيقة الإسلام وأصول الحكم) للشيخ محمد بخيت المطيعي، وكتاب (نقد علمي لكتاب الإسلام وأصول الحكم) للشيخ محمد الطاهر بن عاشور، وكتاب (حكم هيئة كبار العلماء في كتاب الإسلام وأصول الحكم) ، و (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) د/محمد البهي، و (اتجاهات وطنية في الأدب) د/ محمد محمد حسين، و (الإسلام والخلافة في العصر الحديث) د/ محمد ضياء الدين الريس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت