وقتها فضل آدم.
وهو الذي انحنت له الملائكة تكريما واعترافا بفضله وتعظيما لقدرة الله التي برأته ويد الله التي سوته، وكان هذا بأمر الله - عز وجل - الذي قال: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ} [البقرة: 34] .
وهو الذي وهبه الله إرادة واختيارا، وجعل له إمكانية السير في أي سبيل شاء من السبيلين: الخير أو الشر، قال تعالى: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10] وقال: {إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا} [الإنسان: 3] وقال: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29] فهذه الآيات تؤكد أن الإنسان له إرادة واختيار هما أصل التكليف والاختبار، وأنه لديه القدرة على السير في أي الطريقين: الخير أو الشر.
وهو الذي خلقه الله خلقة معتدلة يبدو فيها أثر التكريم والتفضيل، وقد أشار القرآن إلى هذه الميزة في الإنسان بقوله: {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} [الانفطار: 7، 8] وقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4] ففي هاتين الآيتين يقرر القرآن أن الله تعالى خلق الإنسان في صورة حسنة وتقويم قويم.
وهو الذي وهبه الله - عز وجل - أدوات التعلم وآلات الإدراك من سمع وبصر وعقل يعي ويدرك: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78] أي من نعم الله عليكم أنه أخرجكم من بطون أمهاتكم بصفحة بيضاء لم ينقش فيها شيء من المعرفة، فأعطاكم آلات العلم والإدراك: السمع والبصر العقول الواعية المدركة؛ لتشكروه ولكن قليلا ما تشكرون.
وهو الذي فطره الله على معرفته، وطبعه على حب الخير، وغرس فيه لوحة حساسة على صفحة الضمير وجانب الشعور تستجيب لداعي الخير، ما لم يتراكم عليها أدران الشر، وهذا المعنى يتضح في قول الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30] .
هذا التكريم كان له صداه الواسع في مجال تقرير حقوق الإنسان في الإسلام، ونحن