الصفحة 4 من 36

نلاحظ في جميع ما سقناه من آيات، وجميع ما ذكرناه من مظاهر للتكريم مستدلين عليه من نصوص القرآن أن التكريم للإنسان في القرآن ليس خاصا بجنس معين، ولا لون معين ولا بقوم دون قوم، وإنما هو لبني الإنسان جميعا.

إذا فتح الإنسان المصحف الشريف فإن أول ما تقع عليه عينه من كتاب الله - عز وجل - هو هذه الجملة الكريمة: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} التي نزلت لافتتاح المصحف، ولافتتاح كل سورة فيه، وهي مشتملة على اسمين من أسماء الله الحسنى، مشتقين من صفة الرحمة، وهما: الرحمن الرحيم، وفي هذا أكبر دليل على أن الأصل في علاقة الرب - جل وعلا- بعباده هو الرحمة.

وفي افتتاح سورة «الرحمن» جاء الاسم الكريم متصلا بخلق الإنسان وبتعليمه أعظم ما يميزه عن سائر الحيوان وهو البيان، وبهدايته بأعظم هدي نزل من السماء وهو القرآن، فقال تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} [الرحمن آية 1 - 4] فهذه الآيات تشير إلى أن خلق الإنسان وتعليمه البيان وهدايته بالقرآن آثار من آثار رحمة الرحمن جل وعلا.

والله تعالى يؤكد في كثير من آيات القرآن أن ما أنعم به على عباده إنما هو صادر عن رحمته الواسعة، وذلك مثل قوله تعالى: {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} [الروم: 50] .

ويقرر الله تعالى في كتابه أن هذه الرسالة - بما تتضمنه من شريعة عادلة وتعاليم سامية- رحمة للناس جميعا، فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] .

فالرحمة أصل انبنى عليه التشريع، ولا ريب أن التشريع الذي يبنى على الرحمة يشتمل على المصلحة للإنسان، ويضمن الكرامة للإنسان؛ ومن هنا أكد العلماء من خلال الاستقراء التام لبنود الشريعة أنها راعت المصالح الضرورية والحاجية والتحسينية، فالضرورية هي حفظ الدين والنفس والعرض والنسل والمال، والحاجية هي رفع الحرج بتشريع الرخص التي ترفع الوجوب عند تعذر القيام به، وتبيح المحظور عند الاضطرار إليه، والتحسينات التي تجمل حياة الناس بمكارم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت