التي تستهدف حرمان الإنسان من معرفة الرحمن والتوجه إليه بالطاعة والعرفان، وسمى الله - عز وجل - هذا السلوك: «فتنة» واعتبر الفتنة هذه أشد من القتل، وذلك في مثل قوله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: 217] - أي: فتنة الناس بصدهم عن سبيل الله أكبر ضررا وأشد إيذاء للإنسان من القتل.
وقد بين القرآن أن هذا الصد هو الظلم الذي لا ظلم أكبر منه، فقال: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا} [البقرة: 114] .
وإن أعداء الإنسانية، ممن قست قلوبهم وانتكست فطرتهم لا يفتأون في كل زمان ومكان يصدون البشرية عن سبيل الله، ويزينون لها الباطل، ويلبسون عليها الحق بالباطل، ويضربون وجهها ليردوها عن طريق الحق، ويلهبون ظهرها لتغذ السير في طريق الباطل والضلال والشقاء.
لذلك - ومن أجل حماية أعظم حق للإنسان- شرع الله تعالى الجهاد في سبيله، ولم يشرع الجهاد إلا لهذه الغاية، لم يشرع للقتل في ذاته ولا للتوسع، ولا لاستعمار البلاد، ولا لركوب ظهور العباد، وإنما شرع لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
كلفت الدولة الإسلامية الممكنة بالجهاد لحماية حق البشرية في أن تعرف ربها وتتوجه إليه بالعبادة والطاعة، ولدفع كل محاولة لإحباط هذا الحق أو انتهاكه، ولتحطيم القوى الطاغية التي تحول دون وصول الإنسان إلى ربه، هذه هي الغاية من فريضة الجهاد؛ لذلك قال تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لله} [الأنفال: 39] أي: قاتلوا الذين يصدون عن سبيل الله؛ حتى لا يفتنوا الناس ويحولوا بينهم وبين حقهم في عبادة ربهم، وحتى يكون خضوع البشرية لله لا لهؤلاء الذي يمارسون الفتنة].
حق الحياة يعتبر أعظم حق من حقوق الإنسان بعد حقه في معرفة ربه وعبادته، والأصل الذي يقرره القرآن وتؤكده السنة ويطبق عليه علماء الأمة أن حق الحياة ثابت لكل إنسان من حيث الأصل، وأن زوال هذا الحق لسبب من الأسباب ليس هو الأصل، وإنما هو استثناء من الأصل، وأن الإنسان - كما قرر علماء الشريعة- بنيان الرب، ملعون من هدمه.