لم تأت حقوق الإنسان في القرآن في شكل تعاليم متناثرة أو إرشادات وتوصيات مبثوثة هنا وهناك دون أن يكون بينها رابط، وإنما جاءت - برغم كونها مبثوثة في أنحاء القرآن- في شكل نظرية متكامل لها أصول وقواعد تقوم عليها ولها أسس عريقة وجذور عميقة تثبتها في ضمير المجتمع.
ومن أهم هذه الأسس:
فالإنسان في القرآن مخلوق مكرم، له من الخصائص ما يميزه عن سائر الخلق؛ فهو الذي صرح القرآن بتكريمه وتفضيله، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا} [الإسراء: 70] وهو الذي سواه الله بيده، ونفخ فيه الروح الشريفة التي خلقها خلقًا خاصًا شريفًا ونسبها إليه، قال تعالى: {مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ َأَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ} [ص: 75] وقال تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي} [الحجر: 29] فالآية الأولى فيها أن الله تعالى خلقه بيده، ليس بالقدرة وحدها؛ وفي هذا عناية وتشريف، وفي الآية الثانية أنه نفخ فيه من روحه، أي: الروح التي من شرفها أن الله نسبها إليه.
وهو الذي خلق الله له ما حوله، وسخر له ما فوقه وما تحته؛ قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29] وقال: {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا} [الجاثية: 13] ومعنى الآيتين أن الله تعالى سخر للإنسان ما في الأرض وما في السماء، وهذا أبين دليل على الأفضلية والتكريم.
وهو الذي وهبه الله - عز وجل - القدرة على التعلم وعلى وضع الأسماء للأشياء وهداه سبيل ذلك، وهذا هو الذي يفهم من قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 31، 32] فبرغم أن الملائكة لهم مكانة ومنزلة رفيعة عند ربهم لم يستطيعوا أن يخبروا بأسماء الأشياء مثلما أخبر بها آدم، وعرفت الملائكة