جاء به القرآن من شريعة محكمة موضوع لمصالح العباد في المعاش والمعاد [1] ؛ وفي هذا دليل على أن القرآن يشتمل على الضمانات الكافية والتشريعات الوافية في مجال حقوق الإنسان.
بقدر ما يقوم دستور أمة من الأمم على العدل بقدر ما يكون أكثر ضمانا لحقوق الإنسان، ونحن إن تأملنا القرآن الكريم وجدنا هذا المبدأ ظاهرا وبارزًا، والعدل في القرآن يدور حول محورين: الأول العدل الإلهي في معاملة الإنسان، فمن مظاهر هذا العدل أن الله تعالى لا يظلم أحدًا يوم القيامة ولو مثقال ذرة وقد بين الله هذا في أكثر من موضع، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40] ومن مظاهر العدل الإلهي أن الله لا يؤاخذ العباد إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليهم، برغم قيام البراهين الكونية، قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15] ، ومنها أن الله تعالى لا يحمل نفسًا وزر نفس أخرى، وهذا هو معنى قوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18]
المحور الثاني: أن الله - عز وجل - شرع العدل وجعل الشرع ميزانا يضبط التعامل بالعدل، قال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ} [الشورى: 17]
فقد شرع الله العدل في الحكم فقال: {وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: 58] -أي: الله يوصيكم إن حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، وشرع العدل في القول والحكم على الناس وإبداء الرأي في الأشخاص فقال: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 153] .
وشرع العدل في العشرة بين الزوجين، فبين أن لكل واحد منهما على الآخر مثل ما عليه تجاهه، وهذا في قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228] وشرع العدل في المعاملة المالية؛ فحرم أكل الأموال بالباطل فقال: {لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29] وفي الجملة فإن الله - عز وجل - لا يظلم، ولا يحب لعباده أن يظلموا؟
ولذلك قال في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي: إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي
(1) انظر الموافقات (1/ 148) وإعلام الموقعين (1/ 97) .