فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 189

فَتَغَافَلَ عَمّا يَحْمِلُهُ فِي نَفْسِهِ مِنْ عَوَامِلِ السقُوطِ والانْهِيارِ؛ وما أَوْجَبَهُ تَقارُبُ الزمانِ والمَكانِ والانْفِتاحُ المَعْرِفِيٌّ (على ما فِيهِ مِنْ أَضْرار) مِنْ ظُهُورِ كَثيرٍ مِنْها مِمّا كانَ خَافِيًا مِنْ قَبْلُ، فانْكَشَفَ مِنْ عَوَارِهِ؛ وتَعَرّى مِنْ سَوْءاتِهِ؛ وفُتِحَ مِنْ مَنافِذِهِ مالَمْ يَكُنْ في الحُسْبان؛ ولله الحمد، مِمّا زادَ في جُمُوعِ جُنْدِ الإسلامِ والمُنْحازِينَ إلى عُدْوَتِه!؛ وَلا أَدَلَّ على ذلكَ عَمَلِيّا مِنًْ تَخَبُّطِ العَدُوِّ فِي سِياساتِهِ وتَنَاقُضِهِ فِي قَراراتِهِ وهِياجِهِ فِيما يُرْعِدُ بهِ ويُزْبدُ!؛ وما تَعاظُمُ الغُثَاءِ إلا لِتَعاظُمِ السَّيْلِ؛ فافْهَم!!.

وتَجَاهَلَ اليَهُودُ ومَنْ وَراءَهُمْ مِنَ الأمَمِ الغَرْبِيَّةِ - وكُلٌّ يَعُدُّ نَفْسَهُ امْتِدادًا للآخَرِ!؛ فاليَهُودُ امْتِدادٌ لَحَضارَةِ الغَرْبِ!؛ والغَرْبُ امِتِدَادٌ للتارِيخِ اليَهُودِيِّ - أّنَّ الحَضَارَةَ ... - مَع قَطْعِ النظَرِ عَنِ تَعْرِيفِها والمُرادِ بِها - كما قَالَتْ الأَمِيرَةُ العُمانِيَّةُ المُتَنَصِّرَةُ (سَالِمَةُ بِنْتُ سَعِيد) وبَعْدَ تَنَصُّرِها (إيميلي رُوثْ) ؛ والتي تُوُفِّيَتْ في ألمانيا في (1926) : ( ... لا تُؤْخذُ أوْ تَعْطى بالقُوَّة!؛ بلْ هِيَ نتاجُ تَجارِبَ وتَجاوُبٍ عَلَى مَرِّ القُرونِ؛ ويَجِبُ أنْ يُتْرَكَ لِكُلِّ شَعْبٍ الحَقُّ فِي اتِّباعِ قِيَمِهِ ونُظُمِهِ الاجْتِماعِيَّةِ والفِكْرِيَّةِ؛ التي هِيَ خُلاصَةُ حِكْمَةِ قَوْمِهِ وتَجارِبِهِمْ على مَرِّ العُصُور، فإذا أُريدَ فَرْضُ أفْكارٍ جدِيدَةٍ على مِثْلِ هذا الشعْبِ تُخالِفُ مُعْتَقَداتِهِ وتَقالِيدَهُ؛ فإنّ نتيجَتَها الفَشَلُ والخُسرانُ حَتْما!) . انْتَهى.

وهذا الكلامُ وإنْ كانَ لَنا عَلَيْهِ بَعْضُ المُلاحَظاتِ؛ إلا أنّ الذي يَهُمُّنا مِنْهُ هُوَ الجُمْلَةُ الأُولَى، فإنَّ الشواهِدَ عَلَيْها مِنَ التاريخِ ومِنْ أَقْوالِ الباحِثِينَ كَثيرَة مَوْفُورَة، وإنَّما اخْتَرْنا النَّقْلَ عَنْها مَعَ أَنَّها لَمْ تَكُنْ مِنَ المُخْتَصينَ في ذلك؛ لأَّنَّها عاشَتْ الشطْرَ الأوَّلَ مِنْ حياتِها في بلادِها؛ ثُمَّ قَضَتْ بَقِيَّةَ عُمُرِها بَينَ (ألمانيا) و (إنجِلْترا) ضَحِيَّةً لِمُحاوَلاتِ فَرْضِ ما يُسَمَّى ب (الاسْتِعْمارِ) في ذلكَ الوَقْتِ سَيْطَرتَهُ على العالَمِ الإسلامِي!؛ فَتَحَدَّثَتْ عَمَّا أدْرَكَتْهُ وفِهِمَتْهُ مِما شاهَدَتْهُ بِنَفْسِها!.

ولا يُعارِضُ هذا الذي ذكَرَتْهُ عِبادَةُ الجهاد في الإسلام؛ فإنَّ الحِهادَ إنما شُرِعِ في الإسلامِ - سَواءٌ كانَ دَفْعًا أو طَلَبًا - إزالَةً للعَوائقِ والحواجِزِ التي تَحُولُ بَيْنَ الناسِ وبَيْنَ بُلُوغِ دَعْوَةِ الله إليهم؛ ولا يَكُونُ ذلكَ إلاَّ بِخُضوعِ الناسِ كافَّةً لِسُلطانِ الإسلام، فَثَمَّةَ فَرْقٌ بَيْنَ إجْبارِ الناسِ عَلى اعْتِناقِهِ وهُوَ الذي لَمْ يقعْ في التاريخِ الإسلامِيِّ البَتَّةَ!؛ وبَينَ خَضُوعِهم لسُلْطانِه، وإنما أَقْبلَ الناسُ على دِينِ الإسلامِ أفْواجًا لِما حَمَلَهُ مِنْ المُثُلٍ والمَبادِئِ والقِيَمِ الأخْلاقِيَّةِ التي أَضَلَّتْها الأُمَمُ الأخْرى؛ حَتَّى وجَبَ عِندَ تِلكَ الأمَمِ أنْ تَقْتَرِنَ المَدَنِيَّةُ بالرذيلَةِ!!؛ كما قالتْ الأميرةُ المذكورَة!، مَعَ التَّنْبِيهِ عَلى أنَّ القِيَمَ والمُثُلَ مَهْما عَلَتْ (ونَعنِي هُنا الإسلام) فَلَنْ تَحُلَّ مَحَلَّ القُدْوةِ اللائِقَ بِها مالمْ تَكُنْ مَرْهُوبَةَ الجانِبِ مَصُونَةَ الحِمَى!؛ لأّنَّ تَقْليدَ الأُمَّةِ الضعِيفَةِ للأمَّةِ الغالِبِةِ سُنَّةٌ اجْتِماعِيَّةٌ كما قال ابْنُ خَلْدُونٍ وتَقَرَّرَ في عِلْمِ الاجِتِماع، وما فِي الأمَّةِ القَوِيَّةِ مِنَ المَحاسِنِ والمَساوِئِ يَسري إلى جَسَدِ الأخْرَى ولا بدّ، وبِهذا التقريرِ تَعْلَمُ أنَّ (الجِهادَ) الذي شَرَعَهُ الإسلامُ لَيْسَ فَرْضًا شَرْعِيًّا فَحَسْبُ؛ بَلْ هُوَ ضُرورَةٌ حَياتِيَّةٌ جارِيِةٌ وَفْقَ سُنَّةٍ رَبانِيَّةٍ لا تتَغَيَّرُ ولا تَتَبَدَّل.

وبِهذا أَيضًا تَعْلَمُ عِلمَ اليَقِينِ أّنَّ كُلَّ مُحَاوَلَةٍ تَجْرِي لِفَرْضِ المَفاهِيمِ الغَرْبِيَّةِ وما تُفْرِزُهُ بَينَ حِينٍ وآخَرَ - وعلَى رَاسِ ذلكَ طَبْعًا الدْولَةُ اليهودِيَّةُ فِي قَلْبِ العالمِ الإسلامِيِّ وعلى أَرْضِ فِلسطين - ومَحَاوَلَةِ جَعْلِ ذلكَ أَمْرًا واقِعًا وحَقِيَقَةً مُتَقَبَّلَةً! تَحْتَ أَيِّ شِعارٍ كانَ هُوَ مِنْ قِبيلِ العَبَثِ؛ بلْ هُوَ العَبَثُ كُلُّه!؛ فَكَيفَ والأُمُةُ اليُهودِيَّةُ ومِنْ وَرائِها النّصْرانِيَّةُ خِلْوٌ عَنْ المَبادِئِ والقِيَمِ؟!؛ وإذا كَانَتْ الأُمَمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت