فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 189

تمر بنا في هذه الأيام الذكرى الثانية والخمسون لقيام إسرائيل في 14 مايو 1948م، وعبر هذه الاثنين والخمسين عامًا ما انفكت إسرائيل تتمدد وتتسع ويزيد نفوذها وقوتها، بل ويتراجع العرب أمامها ويتعاظم استسلامهم لسلطاتها، حتى لقد بدأت تتآكل روح المقاومة في نفوس كثير من أبناء أمتنا وبدأ ينتشر التسليم بوجود إسرائيل كحقيقة لا يمكن مقاومتها والتصدي لها.

وكان من أهم العوامل في بث هذه الروح اليائسة والفكرة المتخاذلة ذلك الدور الخبيث الذي لعبه علماء السلطان في الترويج لهذه الأفكار وفي تبرير تصرفات الحكام العلمانيين عملاء أمريكا وإسرائيل، فقد روج هؤلاء العلماء لفكرة أن الصلح مع إسرائيل أمر يجيزه بل يندب الشرع إليه وأنه لا ضرر فيه، وأن القرآن أمرنا به والسنة دعتنا إليه، وكان من أشهر هذه الفتاوى فتوى الشيخ"عبد الرحمن بيصار"شيخ الأزهر في زمن"أنور السادات"وفتوى الشيخ"عبد العزيز بن باز"بجواز الصلح مع إسرائيل وجواز الحصول على تأشيرة من السفارة الإسرائيلية لزيارة القدس.

وتعضدت هذه الفتاوى بما قام به شيخ الأزهر الحالي"محمد سيد طنطاوي"بدعوة السفير الإسرائيلي ثم دعوة السفير الإسرائيلي بصحبة الحاخام الأكبر لإسرائيل إلى ساحة الجامع الأزهر، في محاولة مكشوفة للدعاية لسياسة التطبيع مع إسرائيل.

وتناسى هؤلاء المفتون والمبررون أن الصلح مع إسرائيل باطل شرعًا، وأن الأزهر نفسه قد أفتى بذلك في فتوى مشهورة له عام 1956م، ولذا فإن هذه المعاهدات التي وقعتها الدول العربية مع إسرائيل باطلة بطلانًا أصليًا وفرعيًا، أما البطلان الأصلي لهذه المعاهدات فلأنها تصادم حكمًا قطعيًا معلومًا من الدين بالضرورة أجمع عليه علماء الإسلام قاطبة، وهو أن العدو إذا دخل إلى عقر دار الإسلام صار جهاده فرضًا عينيًا لا تسقط فرضيته إلا بإخراجه من ديار الإسلام، وأما بطلانها الفرعي فلأن هذه المعاهدات خالفت ما اتفق الفقهاء على اشتراطه في المعاهدات بين المسلمين والكفار، فقد اتفق الفقهاء على اعتبار أربعة شروط في أي معاهدة بين المسلمين والكفار:

أولها: أن يعقدها الإمام أو نائبه، وهؤلاء الذين عقدوا المعاهدات ليسوا بأئمة للمسلمين بل ليسوا مسلمين أصلًا ولا يحكمون حكومات إسلامية وإنما يسيطرون على أنظمة علمانية خارجة عن الشريعة.

وثانيها: أن لا تكون المعاهدة مؤبدة لئلا يؤدي ذلك إلى إسقاط الجهاد وهذه المعاهدات التي عقدت لا يملك المسلمون إنهاءها، كما وأنها دعت إلى السلم الدائم ونبذ العنف في حل المشكلات بين اليهود والعرب وصرح"أنور السادات"بذلك في قولته الشهيرة:"إن حرب أكتوبر ستكون آخر الحروب"، بل ودخلت أمريكا ضامنة ومهددة للعرب ضد أي مساس بأمن إسرائيل. [راجع مقال"عشرون عاما من الاستسلام"المجاهدون العدد 52] .

وثالثها: أن تعقد لمصلحة المسلمين فإن عقدت لغير مصلحة بطلت المعاهدة، ولا شك أن تضييع فلسطين وإقرار استيلاء الكفار عليها، ونزع سلاح سيناء وارتداد الحدود الفعلية لمصر 150كم إلى الغرب، ووجود القوات الدولية في وسط سيناء لمنع إعادة ضم سيناء لمصر فيما يسمى"معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية"يُعد كل ذلك من أفدح الأضرار التي أدت إلى سلخ أراضي المسلمين ومنحها للكفار.

كما أن إسرائيل بعد هذه المعاهدة مع مصر، استشرى خطرها بعد خروج مصر من الصراع، واحتلت جنوب لبنان وأنشأت فيها جيشًا عميلًا لها، وقامت بعشرات الغارات على القرى والمدن اللبنانية بل بلغ بها الاستخفاف بدول العالم أن ضربت النساء والأطفال اللبنانيين العزل وهم يحتمون في مقر الأمم المتحدة في قانا، وضربت المفاعل النووي في العراق واحتلت جزر دهلك في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ودعت حركة الانفصال في جنوب السودان، كل هذا بعد تحرر إسرائيل من التهديد المصري لها بعد معاهدة السلام، فلا شك أن هذه المعاهدة قد جلبت أضرارًا عديدة لأمة الإسلام وأكدت استيلاء الكفار على أراضي المسلمين.

ورابعها: ألا تتضمن المعاهدة شرطًا فاسدًا، مثل أن يرفض الكفار إعادة أموالنا أو فك أسرانا، فما بالكم إذا رفض الكفار إعادة بلد بكامله هو من أشرف بلاد المسلمين، وأقر لهم الحكام العملاء بذلك.

وهذا التسليم بسلطان اليهود على أراضي المسلمين المغتصبة الذي يروج له علماء السلطان جاء جزءًا من عقيدة جديدة يروج لها علماء السوء في بلادنا عقيدة لم يأت بها النبي صلى الله عليه وسلم ولن ينقلها عنه أصحابه عليهم رضوان الله ولم يروها عنهم التابعون ولا أئمة الفقه والحديث الذين تلقتهم الأمة بالقبول، بل هو دين جديد خطط له في مراكز الأبحاث والدراسات في أمريكا وإسرائيل، وصيغت عباراته في إدارات الفتوى ووزارات الأوقاف في مصر والرياض والجزائر والأردن وغيرها من العواصم المستسلمة للنظام العالمي الأمريكي اليهودي الجديد.

وأهم عقائد ومعالم وشعائر هذا الدين الجديد ما يلي:

1 -تبني عقيدة الإرجاء في إثبات الإيمان للحكام وعملائهم بمن فيهم ضباط التعذيب في أجهزة أمنهم حيث يصر علماء السلطان على أن"من قال لا إله إلا الله لا يكفر بحال"، وعلى أنهم مسلمون مهما ارتكبوا أو فعلوا أو قالوا، وأنهم مؤمنون حتى ولو كانوا من ألد أعداء الإسلام.

2 -وفي نفس هذا الدين يتبنى علماء السوء عقيدة الخوارج في وصم شباب المجاهدين وأي معارض لحكامهم دافعي راتبهم بالمروق والخروج من الإسلام وأن الإسلام منهم براء.

3 -ومن معالم هذا الدين الجديد أن الدعوة إلى حاكمية الشريعة هي دعوة إلى عقيدة الخوارج وأن تفسير قوله تعالى"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون"هو: ومن لم يحكم بشيء مما أنزل الله فأولئك هم الكافرون فقط.

4 -ومن معالمه أيضًا أن الخروج على الحاكم مهما فعل هذا الحاكم هو خروج على الإسلام مهما كان دافع هذا الخروج، وأن المُلْك هو تفويض من الله لا ينازع الملوك فيه، لأن منازعهم منازع لله الذي فوض إليهم هذا الملك كما قال أحد أئمتهم مستدلًا بقوله تعالى"أن آتاه الله الملك"وأن الخضوع لهؤلاء الحكام فريضة شرعية حتى وإن أدت إلى محاربة الإسلام والمسلمين، وإلى الإبلاغ عن المجاهدين الذين يسعون لإقامة حكم الإسلام إلى أجهزة أمن الأنظمة التي يشرف على إدارتها خبراء الأمريكان واليهود، وأن إعانة المجاهدين بأي نوع من أنواع الإعانة هو خروج عن الإسلام بل وخروج على إرادة الله الذي خص الحاكم بهذا الملك!!! وأن علينا أن"ندع ما لقيصر لقيصر وما لله لله"كما قالها أحد كبارهم ووصفها بأنها كلمة حكيمة تصلح لزماننا.

5 -وأن الإسلام دين لا عنف فيه حتى وإن احتلت أراضي المسلمين وأهينت مقدساتهم وسرقت ثرواتهم وانتهكت حرماتهم، لأن الإسلام دين السلام والمحبة والسماحة، وأن الجهاد شرع في الإسلام لجهاد الكفار قديمًا وأن الجهاد اليوم هو جهاد الفقر والجهل والمرض كما صرح المدعي العام في قضية الجهاد الكبرى عام 1982م، وإن الإسلام دين لا إرهاب فيه، حتى وإن قال الله تعالى"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ... الآية"وقد يكون من الإعداد ترك الإعداد.

6 -ومن عقائدهم أيضًا أن علماء السلطان لا يشكون في إيمان الحكام ولا في سعيهم للتمكين للإسلام.

7 -وأن الشريعة الإسلامية مطبقة في بلاد المسلمين بنسبة 90% إن لم تكن 99% والباقي فقط ينتظر الظرف المناسب الذي حبسه الحكام في سجونهم!!، وأن بلادهم هي بلاد التوحيد السمحة حتى وإن كانت الأسر الحاكمة فيها ما تملكت إلا بسلاح الإنجليز وجيوش الأمريكان.

8 -أما على صعيد الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي فإن علماء السلطان يصرون على أنه لا فرق بين المسلم والنصراني، ويسكتون عن ذكر اليهودي في انتظار الظرف المناسب!!، وأن رئيس الجمهورية لا يشترط فيه الإسلام بل ولا الذكورة وأن الشيخ والقسيس قسيسان وإن شئت فقل شيخان كما قال أحد مشاهيرهم.

9 -وأن الأمريكان أصدقاؤنا جاءوا ليستخرجوا لنا البترول وقد كنا نجهل وجوده وليدافعوا عنا وقد كنا ضعافًا مساكين، وأن الاستعانة بهم جائزة بل واجبة، وأن إجراء المناورات معهم للتدريب على غزو البلاد بقوات الكفار ضد أي حكم إسلامي هو من باب التعاون الدولي والسلام العالمي والتبادل الفني!!!

10 -وأن الصلح مع اليهود كما أسلفنا اتباع للقرآن والسنة، بل إن التطبيع معهم، تعاون على البر والتقوى ولذلك فإن استقبال السفير الإسرائيلي والحاخام الأكبر الإسرائيلي في ساحة الأزهر هو من قبيل إقامة الحجة عليهم ليس من باب الترويج للتطبيع، وأخذ التأشيرة من السفارة الإسرائيلية للصلاة في المسجد الأقصى هو تحريض على تنفيذ أوامر النبي صلى الله عليه وسلم وليس إقرارًا لسلطة اليهود على القدس، وأن وجوب هجرة المسلمين من فلسطين إلى ديار التوحيد والعقيدة الصافية هو تحريض على تنقية العقائد من الشرك وليس تمكينًا لليهود من أرض المسلمين.

وهكذا تدور هذه الآلة لتخرج كل يوم فتوى وتصريحًا وكتابًا لا يصب إلا في مصلحة الأعداء ولا يمكن إلا لسلطانهم، ويفرغ عقيدة الإسلام من فريضة الجهاد والمقاومة لتتحول الأمة في النهاية إلى قطيع من النعاج وسط غابة من الذئاب، لذا علينا ونحن نسعى إلى تحرير فلسطين المسلمة من اليهود أن نتحرر من هذه الفتاوى التي تفرض علينا الخضوع للأمريكان واليهود وعملائهم الحاكمين لبلادنا.

إن فلسطين قد ضاعت يوم أن تخلينا عن الجهاد في سبيل الله ولن تعود إلا بعودتنا للجهاد في سبيل الله وإبطال شبهات قطاع الطريق إلى الله الذين لا يكفون عن تفريغ الإسلام من محتواه الجهادي.

إن خطورة هذه الفتاوى تكمن في أن المسلمين هم الوحيدون المؤتمنون على فلسطين بعد أن سلم الجميع بسلطان اليهود عليها، واختلفوا في نسبة الفتات الباقي من إسرائيل فإذا أدت هذه الفتاوى إلى صرف المسلمين عن الجهاد لتحرير مقدسات المسلمين من الأمريكان واليهود والاستسلام لعملائهم الذين يحكموننا فسوف تتكرر مأساة الأندلس في كل بقعة من ديارنا تحت تخدير سموم علماء السلاطين.

لقد باع الجميع فيما عدا المسلمين فلسطين:

· باعها الشريف حسين يوم أن أيد وعد بلفور عام 1917م"محمد حسنين هيكل المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل الكتاب الأول: الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية ص119، ط3 إبريل 1996م دار الشروق/ القاهرة".

· وباعها ابنه فيصل يوم أن وقع اتفاقية فيصل وايزمان في يناير 1919م وفيها اعترف بدولة اليهود في فلسطين"المصدر السابق ص119، 120".

· وباعها عبد العزيز آل سعود حينما وافق على قرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947م.

· وباعتها الدول العربية الموقعة في اتفاقية الهدنة عام 1949م والتي نصت مقدمتها على أنها اتفاقية سلام دائم بين الطرفين.

· وباعتها الدول العربية بالمشاركة في اجتماعات لوزان التي أعقبت اتفاقية الهدنة.

تلك اللقاءات التي بدأت بالبرتوكول المقدم من مندوب الأمم المتحدة والذي نص على الاعتراف بقرار التقسيم الصادر عن الأمم المتحدة في عام 1947م، فقد جاء في نص ذلك البروتوكول: أن لجنة التوثيق الفلسطينية المنبثقة عن الأمم المتحدة"قد اقترحت على وفود الدول العربية وعلى وفد إسرائيل أن تأخذ بالوثيقة المرفقة كأساس للمباحثات مع اللجنة"وكانت الوثيقة هي قرار التقسيم الصادر في سنة 1947م والخريطة الخاصة به."انظر"المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل"و"عواصف الحرب وعواصف السلام"لمحمد حسنين هيكل. دار الشروق القاهرة 1996م".

ثم باعتها جميع الدول العربية المنضمة للأمم المتحدة قبل وبعد دخول إسرائيل إليها، لأن المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن:"تقوم الهيئة"أي الأمم المتحدة"على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها كما تنص أيضًا على أن"يمتنع أعضاء الهيئة جميعًا في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأرض والاستقلال السياسي لأية دولة أو على وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة"كما تنص المادة الخامسة والعشرون من الميثاق على أن"يتعهد أعضاء الأمم المتحدة بقبول قرارات مجلس الأمن وتنفيذها وفق هذا الميثاق"، كما تنص المادة الثالثة بعد المائة على أنه:"إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء"الأمم المتحدة"وفقًا لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام آخر يرتبطون به فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق"إذن فجميع الدول العربية سلمت باستيلاء إسرائيل على فلسطين طبقًا لقرارات الأمم المتحدة بمجرد قبولها لميثاق الأمم المتحدة!!!."

· وباعها جمال عبد الناصر حينما وافق على مبادرة روجرز عام 1971م ولا يغرنك المواقف العنترية الكاذبة التي كان يفتعلها ويظهر بها.

· وباعتها الحكومة السعودية حينما أصدرت مبادرة فاس عام 1986م.

· وباعتها الحكومة المصرية حينما وقعت على اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979م.

· وباعتها معظم الدول العربية حينما شاركت في مؤتمر شرم الشيخ في مارس 1995م، هذا المؤتمر الذي لم تتعهد تلك الدول فيه بالاعتراف بإسرائيل فقط بل تعهدت أيضًا بالحفاظ على القضاء على هجمات المجاهدين!!!.

· وباعتها المنظمات الفلسطينية حينما أعلنت قبولها لقرارات الأمم المتحدة في اتفاقيات بيع الأراضي المسماة باتفاقية السلام.

وختامًا فإن الطريق الوحيد لتحرير فلسطين هو الجهاد في سبيل الله، ضاربين عرض الحائط بفتاوى التخاذل والاستسلام التي يصدرها علماء السلاطين كأساس من أسس الإسلام الأمريكي الجديد الذي يروجون له بيننا.

إن طريق الجهاد طريق طويل شاق تكتنفه الشهوات والشبهات، وتكثر فيه التضحيات والابتلاءات والجماعات المجاهدة فيه تخوض الحرب ضد إسرائيل وضد الحكام العملاء الموالين لها، ولكنه بالقطع طريق النجاة وطريق العزة وطريق الوصول إلى رضوان الله، وطريق التوحيد الخالص والعقيدة النقية من أدران الشبهات وأوحال الشهوات.

{والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون}

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

[مجلة المجاهدون > العدد 62]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت