فهرس الكتاب

الصفحة 1 من 189

{وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [1]

ما أَبعدَ اليَوم عَنِ البَارِحة ...

الحمدُ لله مُعِز الإسلام بنصره، ومُذل الشرك بقهره، ومُصرّف الأمور بأمره، ومُستدرج الكافرين بمكره، الذي قدّر الأيام دولًا بعدله، وجعل العاقبة للمتّقين بفضله، والصلاة والسلام على من أعلى الله منار الإسلام بسيفه؛ أمّا بعد:

في العام السابع من بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الكفر أمره، وتمالأت قوى الشّرك لتضرب على الثُلة المؤمنة المتحلقة حول رسول الله صلى الله عليه وسلم حصارًا جائرًا، كان الخطوة الأخيرة بعد أن استخدم كُفار قريش كلّ وسائل الترغيب والترهيب مع المؤمنين، دون أن تُحقق لهم أدنى تَراجع أو تخاذل، وخِلال هذا الحصار ضَرب المؤمنون بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أروع صور الصبر والثبات على أمر الله، ولم يسجل التاريخ أن المسلمين آنذاك رغم شدة ما أصابهم من العوز والجوع والألم قد فاوضوا على دينهم، أو فرطوا في جزء من عقيدتهم، أو لجئوا لشرق أو لغرب ليفك الحصار عنهم، بل جاءهم الفرج من حيث لا يحتسبون، وهيأ الله لهم المخرج من حيث لا يظنون، وخرج المسلمون حَول رسول الله صلى الله عليه وسلم أعِزّة منتصرين، وكُتِب ثباتهم وصَبرهم بِمداد النور، ليكون سِيرة وعِبرة لكل لبيب ممن يدعي السّير على دَرب الحبيب.

أمّا اليوم؛ فإن كان حِصُار أهل غزّة يكاد يكون مُشابهًا في ظاَهره لحِصار النّبي صلّى الله عليه وسلم، إلاّ أنّ هُناك بَونًا شاسِعًا، فالمُنفِّذون للحِصار اليوم لم يَقتصروا على أعداء الله مِن الكُفار الأصليين، بَل انضَم إلى الرّكب دُويلات العَرب المزعُومة، فأَوغَلوا في حِصار المقهُورين من أهل غزّة، وتَواطئُوا على ظُلمِهم، وأحكَموا الأسوار عليهم.

أما حالُ المُحَاصَرين؛ فشعبٌ مغلوبٌ على أَمره، ذاقَ ويلاتِ الحروبِ والنزاعاتِ والاعتداءات، تتحكَّم فِيه قياداتٌ وزعاماتٌ واهية، ما فَتئت تَتسلّق على جِراحَات المكلومِين، وتتباهى بصبرِ المقهورين، فهُناك حيث يَجثو أقطاب سُلطة أوسلو على كُرسِي الحُكم في رام الله تَتواصل اللقاءات السِّرية والعَلنية مع كيانِ يَهود، ويُلاحق المُجاهدون ويُلاقون أشدّ صنُوف العذَاب في أقْبية سُجونهم، ويَخرج كُبراؤهم دون خَجلٍ ولا وَجل ليُعلنوا استئناف المفاوضات المباشرة أو غير المباشرة، في مَشهد مِلؤُه خِيانة الله ورسوله والمؤمنين.

(1) [الأعراف:96]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت