فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 189

وإن المتابع لهذه الأحداث وهو على بصيرة من دينه فإنه سيرى أن علاج هذا المرض مفقود من حين بدأ وحتى يومنا هذا حيث إن البيوت لم تؤت من أبوابها وكأنه يُراد من الله سبحانه أن يُجري المقادير على غير عادته فيها وأن يُجريها على مقتضى الأهواء، وهو سبحانه قد أخبرنا أن سنته التي هي عادته لا تتغير ولا تتبدل، وقد أخبرنا سبحانه أنه {لا يغير مابقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} ، فاليهود سُلّطوا بسبب معاصي الفلسطينيين المجاورين لبيت الله المنتهكين لحرماته، ولقد حصل بينهم وبين اليهود مودّة هي محرمة عليهم كما أنهم تشبهوا بهم في كل شيء حتى إنه ليكاد أن يصعب التمييز بينهم، وقد جاهروا بمعاصي الله وأبطلوا حدوده وحكّموا الطاغوت {وقد أُمروا أن يكفروا به} وجاهروا بالغناء والمسارح والخنا والفسق وتبرج النساء وحلق اللحى، وما شئتَ من مساخط الجليل الموجبة لتسلّط الأعداء كالإحداث في نهج العلم والتعليم المخالف للسلف الصالح حيث إن علم الأمة والذي هو ميراث نبيها صلى الله عليه وسلم لا يُخلط بغيره، ولا يُجعل آلة يُتَوَصّل بها إلى المكاسب الدنيوية، بل لقد أصبح مزاحَمًا بعلوم الكفرة ولغاتهم حتى طغتْ عليه وزحزحته عن مكانه وعزلته عن سلطانه.

لقد عُظمت علوم المعطلة وقُدِّمت على نصوص القرآن وهذا وحده كاف لتسليط الأعداء كيف وقد بلغ السيل الزبى، وليُعلم أنه ليس لليهود المرّة ولنا الحلوة إذا سلكنا سبيلهم، ولقد سَلّط الله عليهم الأعداء كما سُلّطوا علينا، والجامع لذلك المخالفة لدين رب العالمين، ولقد أخبر نبينا صلى الله عليه وسلم أننا نسلك سبيلهم ونتبع سننهم محذرًا لنا ومنذرًا وذامًا لذلك السبيل وتلك السنن وأنها موجبة للسخط والتسليط كما فعل الرب سبحانه بهم قبلنا.

فتأمل الآن ماحكاه ابن القيم رحمه الله عن اليهود حتى وتسليط الله الأعداء عليهم وتأمل ما حَلّ بالأمة قبلنا من جنس ماجرى على اليهود تعلم بذلك معنى قوله تعالى: {ولن تجد لسنة الله تبديلًا. ولن تجد لسنة الله تحويلًا} .

ذكر ابن القيم رحمه الله في كتابه"إغاثة اللهفان" [2/ 269] : (بأنه بعد ما توفي موسى عليه السلام دخل الداخل على بني إسرائيل ورفع التعطيل رأسه بينهم وأقبلوا على علوم المعطلة أعداء موسى عليه السلام وقدّموها على نصوص التوراة فسلّط الله تعالى عليهم من أزال مُلكهم وشردهم من أوطانهم وسبى ذراريهم كما هي عادته سبحانه وسنته في عباده إذا أعرضوا عن الوحي وتعوّضوا عنه بكلام الملاحدة والمعطلة من الفلاسفة وغيرهم، كما سلّط النصارى على بلاد المغرب لما ظهرت فيها الفلسفة والمنطق واشتغلوا بها فاسْتولت النصارى على أكثر بلادهم وأصَارُوهُمْ رعية لهم. وكذلك لما ظهر ذلك ببلاد المشرق سلّط عليهم عساكر التتار فأبادوا أكثر البلاد الشرقية واستولوا عليها، وكذلك في أواخر المائة الثالثة وأول الرابعة لما اشتغل أهل العراق بالفلسفة وعلوم أهل الإلحاد سلّط عليهم القرامطة الباطنية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت