فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 117

فقط من الاستهزاء لعدم مواكبتهم الموضة ورغبة منهم في نظرة مجتمعية جيدة، فما التقييم المادي الذي تم زراعته في عقول وقلوب الشعوب إلا غرض من أغراض الرأسمالية العالمية وصورة من صور الإمبريالية الناعمة لتغذي الحاجة للاستهلاك وتزيد النزعة الشرائية لدى الأفراد وبالتالي تزيد أرباح هذه الشركات!

هذا جانب واحد من جوانب الاستهلاك، وهناك جوانب أخرى تعتمد على إثارة لعاب الناس وشهواتهم المادية من طعام وشراب وجنس ومخدرات، فهم يتفننون في ذلك، ليخرجوا أكبر طاقة من الاستهلاك لدى الشعوب، ويحولوا الفرد إلى مصدر دائم للربح، رغم أنه منهوب أصلا! حتى أصبح للإباحية والجنس شركات عالمية كبرى، وأصبحت الشعوب أسيرة لرفاهيات تسرقهم وتنهبهم وتأخذ منهم أضعاف ما يأخذون وهم مع ذلك متقبلون للأوضاع!

وأما إذا كنت فقيرا ولا قدرة لديك على شراء الرفاهيات فلن تتركك الرأسمالية في حالك، بل ستبدأ الشركات الخاصة في شراء المرافق والخدمات العامة التي تأخذ منها حقك الأساسي والطبيعي في الحياة كالكهرباء والغاز والمياه، يتم شراء كل ذلك تدريجيا تحت شعار (الخصخصة) وهو ما يسبب ارتفاعا باهظا ومستمرا في الفواتير، فهم لم يكتفوا بسرقة ثرواتك بل يقومون بعد ذلك بمص ما تبقى من دمك.

وهكذا يدخل كل فرد منا في طاحونة لا تتوقف حتى يستطيع أن يواكب مصاريف ومستلزمات الحياة، إنها العبودية الحديثة التي تحول الناس إلى مجرد ماكينات تنتج نقودا ممحوقة البركة سريعا ما تذهب إلى جيوب أصحاب الشركات الكبرى، وهكذا يستمر الناس في طحن أنفسهم من أجل أن يحصلوا على فتات يعيشون به رغم أنهم أصحاب الثروات الموجودة في الأرض أصلا، وإذا مرض أحدهم فإن الأمر متوقف على المال، فلا حق للفقراء في العلاج الراقي لأنه - في ظل الرأسمالية - الفقراء هم كائنات فاضت عن حاجة البشر ومن الأحسن التخلص منهم سريعا!

إنه"ببركات"هذا النظام الاقتصادي المستبد صار يتحكم في العالم من أوله إلى آخره رأس المال، إنها الشركات الكبرى متعددة الجنسيات، هذه الشركات التي باتت تملك أصولًا رأسمالية تزيد عن (36) ترليون دولار وهو ما يقارب إجمالي الناتج المحلي لجميع دول العالم في كوكبنا!!

وصار صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة الدولية هما أداة لخدمة هذه الشركات المرتبطة بالطبع بسير السياسة الدولية في العالم كله.

وإذا أردت أن تفهم نفوذ الشركات متعددة الجنسيات وعلاقتها بتحريك السياسة العالمية والاستفادة منها فيكفيك أن تعرف على سبيل المثال: أن الشركة التي حصلت على أكبر العقود النفطية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي لها هي الشركة الكبرى متعددة الجنسيات (هاليبرتون) ، مَنَح هذه العقود للشركة نائب الرئيس الأمريكي حينها (ديك تشيني) ، ببساطة (ديك تشيني) كان رئيس مجلس إدارة هذه الشركة في فترة من الفترات، وله ارتباطات مالية بها وهو لذلك كان أحد الدافعين بقوة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت