فهرس الكتاب

الصفحة 48 من 117

ولو أن أهل العلمِ صانوه صانَهُم * * * ولو عَظَّمُوه في النفوسِ لَعُظِّما

ولكن أهانوه فهانوا، ودَنَّسُوا * * * مُحَيَّاه بالأطماعِ حتى تَجهَّما

وما الكهان إلا ركن من أركان حكم كل طاغية، وهل استغنى فرعون بسجونه وجنده عن السحرة؟ إن الطغاة لا يكتفون باستعباد أبدان الناس بل يسعون لاستعباد قلوبهم أيضا، وإن السجّانين لا سبيل لهم على القلوب .. ولكن الكهّان لهم سبيل، وكم من حر لم يستعبده السيف والأسوار ولكن عبّد قلبَه للطغاةِ كهّانٌ فجار! علماء السلطان وكهانهم ظاهرة قديمة في كل الأمم التي حكمها طغاة، والإسلام من علماء السلطان بريء!

إن العالم والحاكم والشعب في الإسلام كلهم محكومون بمنهج، وإن الحق لا يُعرف بالرجال، ولكن الرجال يُعرفون بالحق، وليس لأحد كائنا من كان أن يدعي أن من حقه أن يقول ويفعل ما يشاء مستغلا سلطان العلم، إن سلطان العلم لا يكون من العالم على الناس، بل هو سلطان على العالم نفسه قبل غيره، وإن هفوات العلماء الصغيرة قد يفوق أثرها في الشر ذنوب الناس الكبيرة، وإن أحكام الإسلام العامة هي كالقوانين اليوم، والمتخصصون في هذه الأحكام هم في الحقيقة كالقضاة، والقضاة ليسوا مصدر القوانين وليس لهم حق مخالفتها ويمكن لغيرهم دراسة هذه القوانين وإقامة الحجة عليهم بها وإن لم يبلغوا درجة علمهم، كما أن وجود إدارة للشؤون القانونية مثلا في الشركات الكبيرة اليوم تحرص على مراجعة المواقف القانونية للشركة لا يعني وصاية أفراد هذه الإدارة على الشركة وليسوا رؤساء مجلس الإدارة وليسوا المتولين لملفات الشركة المتخصصة وليسوا واضعي خطط الشركة الاستراتيجية للتطور والنمو!

وإننا نرى القضاء اليوم يحكم في قضايا التعويض الطبية والهندسية علما أن الذي يحكم هو القاضي وليس المهندس ولا الطبيب، ولا يعتبر عاقل أن هذه وصاية قضائية، فالقاضي لا يحكم في الهندسة أو الطب بل هو يحكم في شق قانوني يمتلك أدواته وإن كان مرتبطا بالهندسة أو الطب، وبالرغم من ذلك تطبيق القانون حينها يحتاج إلى التأكد من تطابق الواقع مع الوصف المذكور في القانون وهنا يتطلب الأمر شهادة الأطباء الآخرين أو المهندسين، وهذا بالضبط ما يذكره الإسلام حول وجود ركنين للفتوى: علم الشرع وعلم الواقع.

وبذلك تفهم أن الإسلام يؤسس لدولة منهاجية وليست دولة دينية كهنوتية، والدولة المنهاجية هي دولة تقوم على الأسس العلمية والمنهجية والكلمة فيها يجب أن تكون لأهل التخصص والمعرفة والإدراك، كل واحد في مجاله لا يتخطى مساحته ولا يتعدى دوره كما سيأتي بيانه.

وإذا كان الإسلام لا يعرف أصلا الاستبداد الديني ولا الكهنوتية فإن تطبيق العلمانية عليه يعني بوضوح هدم الدين نفسه وليس هدم شيء زائد عنه، فالشيء الزائد عن الدين الذي تتحدث عنه العلمانية وهو الكهنوت ليس موجودا في الإسلام أصلا، فما الذي تريد العلمانية هدمه إذن؟!، إنه ببساطة هدم الدين نفسه بأحكامه وشرائعه! وإذا كانوا يقصدون هدم ممارسات وأفعال"الإسلاميين"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت