الصفحة 11 من 44

وسن القوانين تلو القوانين، أملا في ترقيع ما لم يعد قابلا إلا للتلف. فهي بالمحصلة، وسوء الختام، ليست سوى فلسفة وضعية، من المستحيل أن تستمر إلى ما لا نهاية، وسط مؤشرات ووقائع صارت تملأ شوارع «المركز» صخبا وضجيجا [1] .

على المستوى الاقتصادي العالمي؛ فـ «الرأسمالية» أخفت الحقيقة [2] ، ونهبت ثروات شعوبها وشعوب العالم، وفرضت على الدول سياسة الخصخصة، مطلع تسعينات القرن العشرين، التي انتهت ببيع مؤسسات القطاع العام، دون أن يعرف أحد أين ذهبت أمواله. ولأنها منظومة جشعة، لا أخلاق لها ولا دين ولا مبدأ، فقد اتجهت، عشية اندلاع الأزمة العقارية في الولايات المتحدة سنة 2008، إلى سرقة جيوب الأفراد، عبر رفع أسعار بعض السلع الحيوية كالطاقة، بحيث ينجر عنها رفعا شاملا وجنونيا للأسعار، في كافة مناحي الحياة. وبهذه الطريقة تم رفع أسعار السلع، وخاصة المواد الغذائية والطبية والخدماتية، التي لا غنى للفرد عن استهلاكها يوميا، وفي كل ساعة. ولا ريب أن البشرية، المستهدفة بالإفقار [3] من هكذا سياسات، باتت تواجه وحشية غير مسبوقة من «الرأسمالية» ، وهي تنتقل من مرحلة نهب الشعوب ثم الدول والجماعات إلى مرحلة النهب الشامل، الذي يمس كل فرد على سطح الكرة الأرضية بشكل مباشر.

أما فيما يتصل بالفساد ونهب الثروات وإهدار الموارد والضرائب الجنونية، فالأرقام التي تخص العالم العربي ليست سوى انعكاس لما يعيشه «المركز» من أزمات اقتصادية، ليس من المستبعد أن تنتهي بانهيارات شاملة، أو حروب عالمية طاحنة، في ضوء تصاعد الديون الأمريكية والأوربية التي تهدد بإفلاس الجانبين، وشيوع الفوضى والدمار من جديد في ذات المواطن التاريخية للحروب الدموية.

ففي ختام مؤتمر عربي عقدته المنظمة العربية للتنمية الإدارية في العاصمة المصرية - القاهر (5/ 7/2010) تحت عنوان: «نحو إستراتيجية وطنية لمكافحة الفساد» ، بحضور ممثلي 19 دولة عربية، أدلى رئيس المنظمة العربية لمكافحة الفساد، عامر خياط، بتصريحات لقناة الجزيرة قال فيها: «إن المنطقة العربية سجلت إضاعة ألف مليار دولار، في عمليات فساد مالي وإهدار للأموال خلال النصف الثاني من القرن الماضي تمثل ثلث مجموع الدخل القومي للدول العربية» [4] .

(1) أطرف تعقيب على أزمة الرأسمالية جاء على لسان الكاتب البريطاني تيم مونتغمري في صحيفة «الغارديان» . فقد اعتبر السياسات الحكومية هي السبب في الأزمة وليس الرأسمالية كمنظومة حياة وإنتاج. راجع: «العلة بالسياسات وليس بالرأسمالية» ، 12/ 11/2011، الجزيرة نت: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/C 9548 B 94 - 4 BB 9 - 4108 - BAE 9 - 1 C 4 AD 236409 A.htm?GoogleStatID=9، أما وجه الطرافة ففي كونها جاءت مطابقة لتلك الأطروحات التي جهدت في الدفاع عن «النظرية الاشتراكية» ، غداة انهيارها، زاعمة العيب في التطبيق وليس في النظرية!!

(2) وتعليقا منه على الاحتجاجات العالمية ضد الرأسمالية، أشار الكاتب إلى: «البنوك الجشعة التي أخفت الديون السامة أو ذات المخاطر ... العالية بحيث لا يكتشفها المدققون الماليون ولا المشرعون ولا أي وكالة معنية بالتقييم إلا في وقت متأخر» . نفس المرجع أعلاه. وفي التعليق ما يجيب على السؤال المحير: لماذا لم يتم الكشف على الأزمة مبكرا؟ لكن، في المحصلة، هل يمكن إحالة مثل هذه التصرفات المدمرة إلى مجرد عيوب في السياسات؟ أم هي مخرجات لمنظومة قيمية جشعة لا تسمح بامتياز إلا لذوي رأس المال؟

(3) حتى الأمريكيين لم يفلتوا من سياسة الإفقار. فقد أفاد التقرير السنوي الصادر عن مكتب التعداد السكاني لسنة 2010 أن عدد الأميركيين الذين يعيشون تحت خط الفقر ارتفع إلى 46 مليون نسمة نهاية العام الماضي، مسجلا أعلى مستوى له، وبذلك يرتفع معدل الفقر الأميركي للعام الثالث على التوالي مسجلا نسبة 15.1%، وهي النسبة الأعلى منذ بدء مكتب الإحصاء نشر تقديراته لعدد الفقراء قبل 52 عاما، كما أنها النسبة الأعلى منذ العام 1993. وأوضح التقرير أن هذا العدد كان الأكبر راجع: الفقر بأميركا يسجل أعلى مستوى، 14/ 9/2011،

موقع الجزيرة نت: http://www.aljazeera.net/NR/exeres/9 E 0 B 7 F 89 - 27 C 8 - 49 A 6 - B 47 C-B 96 A 84058490.htm. ووفق معايير أخرى تم رفع العدد إلى 49 مليون فقير.

(4) الفساد يهدر ثلث الناتج القومي العربي، قناة الجزيرة، 6/ 7/2010، http://www.aljazeera.net/NR/exeres/0 DD 80 CA 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت