الصفحة 4 من 44

القسم الأول

منظومة الهيمنة الدولية

نظرية «المركز - الهامش» [1]

من الأهمية بمكان التأكيد، بدايةً، على أن الإمبراطورية العثمانية تعرضت مطلع القرن الثامن عشر لنفوذ ملحوظ من القوى الغربية، إلا أنها، والعالم الإسلامي، ظلا بمنأى عن اختراق عسكري يمكن أن يتصف بالخطر المصيري على الإسلام والمسلمين. إذ أن كل ما استطاع الغرب فِعْلُه ضد العالم الإسلامي لم يتعدَّ سياق الكرّ والفرّ بين القوى، مع السيطرة على بعض الثغور أو سقوطها، مقابل تقدم إسلامي على جبهات الغرب، في عقر دار أوروبا. لكن ابتداء من مطالع القرن التاسع عشر بدأ العالم الإسلامي يشهد اختراقات غربية وصهيونية خطيرة، وغير مسبوقة في كل التاريخ الإسلامي. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية كان الغرب قد نجح فيما لم ينجح به من قبل. إذ بعد أكثر من قرن من الحروب، استطاع الغرب أن يلغي نظام الخلافة الإسلامية، ويفكك الكتل الديمغرافية الكبرى في العالم الإسلامي. إذ خلافا لما هو شائع؛ فلم يكن العرب وحدهم من تعرض لـ معاهدة «سايكس - بيكو» ، التي قسمت بلادهم، وزرعت في قلبها دولةً لليهود في فلسطين، بل أن ذات الأمر تعرض له المسلمون في بلاد الهند والترك والكرد [2] .

هكذا استقبل المسلمون جسما غريبا في سويداء القلب، بعد أن خسروا نظام حكمهم، ووحدتهم الترابية، والديمغرافية، ليعيشوا في 22 دولة عربية، ضمن 56 دولة إسلامية، مع الغياب الكلي للأكراد عن أي مشهد سياسي، إلا كملاحق بشرية في دول إقليمية كبرى.

إذن جولات الصراع الطويلة، بين الغرب والعالم الإسلامي، لم تعد محصورة في حركة الكرّ والفرّ التقليدية، بقدر ما بدت مستقرة على أساس التفكيك والهيمنة والتبعية الدائمة. فللمرة الأولى، يتمكن الغرب من الإطباق على الأمة الإسلامية دفعة واحدة، وإخضاعها لهيمنته وتبعيته. ولا ريب أن لهذه السيطرة مضامين مختلفة عما سبقها من سيطرات. لكن أطرف ما في

(1) د. أكرم حجازي، تأملات في شريط العاصفة الشعبية: صراع «المركز» و «الهامش» / 2، 16/ 6/2011، موقع المراقب: http://www.almoraqeb.net/main/articles-action-show-id-304.htm، المقالة مستقاة من شرح قدمه د. عبد الله النفيسي في لقاء جمعني به مع نخبة من العلماء والمفكرين والصحفيين العرب في الكويت في 11/ 1/2011 على هامش اللقاء الدوري لمنتدى المفكرين المسلمين.

(2) انقسمت بلاد الهند بانفصال باكستان عنها واستقلالها في 14/ 8/1948، ثم انقسمت باكستان إلى غربية احتفظت بالاسم الأول وشرقية اتخذت من بنغلادش اسما لها في أعقاب حرب أهلية طاحنة اندلعت سنة 1970، ويشكل مجموع المسلمين في الهند التاريخية، وفق إحصاءات 2009، حولي 480 مليون نسمة يمثلون قرابة 50% من إجمالي الكتة الديمغرافية بمختلف تشكيلاتها الإثنية والطائفية. كما عمدت القوى الاستعمارية إلى توزيع الكرد على أربعة دول إقليمية دون أن يكون لهم أي كيان سياسي، أما بلاد الترك فانقسمت إلى ثلاثة أجزاء هي: تركستان الشرقية التي ضمتها الصين إلى أراضيها سنة 1949 رغم وقوعها خارج سور الصين، وتركيا أتاتورك، والجمهوريات الخمس التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي بعد انهياره وهي: أوزبكستان وكازاخستان وقيرغيزستان وتركمانستان وطاجكستان. وأخيرا بلاد العرب التي قسمت إلى 21 دولة، وانتزعت منها فلسطين لتصبح دولة لليهود أسميت بـ «إسرائيل» سنة 1948.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت