الصفحة 33 من 44

على إنجاح الاحتجاجات، والإطاحة بالرأس وبعض الحاشية. هكذا سقط الرأس في المرحلة الأولى من الثورات. وحقق شعار «إرحل» هدفه الأول.

لكن في المرحلة الثانية حيث «إسقاط النظام» يحتاج إلى وقت، قد يطول أو يقصر، ويتطلب عملا منظما وفعالا. وهذه المهمة ليست من مسؤولية الشعب، الذي أنجز ما عليه، بقدر ما هي مسؤولية «القوى الاجتماعية المنظمة» ، والحيوية في تشغيل الدولة والمجتمع وأجهزتهما. ففي الدولة ثمة نقابات وموظفين وعمال وفلاحين وتجار وصناعيين ورأسماليين وطلبة وجامعات ومدارس ومؤسسات اجتماعية وسياسية وأمنية ... وغيرها. ولا ريب أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق هذه القوى في إزاحة القوى التقليدية التي لعبت طوال العقود السابقة دور «القواعد الحصينة» للنظام. وفي هذه المرحلة لا مفر من التنبه إلى ضرورة استبعاد القوى السياسية التقليدية كما تم استبعادها في المرحلة الأولى، أو إجبارها على التخلي عن أيديولوجياتها وانتماءاتها الحزبية خشية الدخول في مساومات مع قوى النظام المستهدفة.

وقد أثبتت وقائع الثورات أن مثل هذه القوى السياسية يمكن، في لحظة ما، أن «تتمايز» باتجاه حركة الشارع، إذا رأت أنها تتقدم عليها، وأن الهدف المنتظر تحقيقه غدا أثمن من مصالحها وأيديولوجياتها. والعكس صحيح. فلو أن هذه القوى تصرفت بوازع من المصلحة أو الأيديولوجيا لآلت إلى الفشل، وألحقت في الثورة ضررا بالغا، وهو ما تعانيه الثورة السورية، وكذلك اليمنية. حيث تسبب أداء «أحزاب اللقاء المشترك» ، التي تلعب بموجب شروط الاستبداد المحلي والهيمنة الدولية، بتعطيل فاعلية ملايين اليمنيين في الشوارع.

في المرحلة الثالثة تكون الدولة قد تطهرت، إلى حد كبير، مما يمكن توصيفه بـ «قواعد الثورة المضادة» وأدواتها، ودخلت في المرحلة الثالثة، حيث إسقاط الهيمنة والتبعية، والتخلص من سيطرة «المركز» تشكل بمجموعها ذروة الحاجز النفسي والمادي، الفردي والجماعي. وهي، بلا ريب، المرحلة الأشد خطورة، لما تحتاجه من تضافر لكل جهود الأمة، بمن فيها القوى الجهادية. إذ أن لأسئلة المطروحة، في المستوى الأول، ليست عن رموز النظام أو حاشيته، ولا عن قواعده وأدواته. بل عن هوية الحكم، ثم عن سيادة الدولة، وتخلصها من الهيمنة والتبعية، أما في المستوى الثاني، فالأسئلة المطروحة ستمس منظومة «سايكس - بيكو» بالذات، وشرعيتها التاريخية والعقدية، وحتى شرعية الدولة التي انوجدت بموجبها.

ضمن هذه المقاربة، وفي سياقها، من العبث الاعتقاد بأن الثورات أنجزت أهدافها، بما فيها تلك التي أطاحت قطعت المرحلة الأولى. أما عن «حاجز الخوف» فإن كل ما حصل حتى الآن هو استهدافه أو، في أحسن الأحوال، إلحاق الضرر بواجهة المنظومة المحلية له، مقابل مرونة عالية لدى واجهة «المركز» في امتصاص الصدمة حتى هذه اللحظة. إذ أن «الحاجز» ما زال عصيا على الانكسار بالمحتوى الموضوعي الذي تحدثنا عنه.

قلنا أن منظومة «سايكس - بيكو» كانت من القسوة بحيث منعت ظهور أية قيادات منافسة للحاكم، وتبعا لذلك فقد خلت الثورات من القيادات حتى في المرحلة الأولى منها. هذا المعطى يعني أن «المركز» ما زال يمتلك الفرصة لاعتراض الثورات، باعتبار أن الساحة ما زالت خالية من البدائل المناهضة له، ليس لأنها غير موجودة أو يصعب إيجادها، بل لمنعها من الانتقال إلى المرحلة الثانية. لذا فقد عمد «المركز» إلى اعتراض مسار الثورات، منذ اللحظات الأولى، بأساليب متنوعة، كالتدخل العسكري المباشر (ليبيا) والسياسي (مصر وتونس واليمن) ، فضلا عن التدخل الدبلوماسي والأمني السافرين، كما هو الحال في اليمن خاصة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت