أما التدخلات في المرحلة الثانية فقد انطلقت من الداخل، باستعمال ذات القوى والأدوات والوسائل، التي استعملتها النظم فيما مضى .. وفي السياق لا بد من الإشارة إلى أن تدخلات «المركز» مزجت بين جميع الأساليب، حتى في المرحلة الأولى كما هو الحال في ليبيا التي تعرضت لتدخل عسكري وسياسي وأمني صريح.
وفي الإجمال فقد تصدرت، واجهة الأحداث، القوى التقليدية الحليفة للنظم السابقة، كاللبرالية والعلمانية، وكذا اليسارية، في نسخها التاريخية المؤيدة للتطبيع مع «إسرائيل» ، والمعادية، على الخصوص، لأي حضور إسلامي في الحياة السياسية والاجتماعية [1] .
يضاف إلى ذلك، تلك التشكيلات والرموز السياسية والاجتماعية والأكاديمية التاريخية، ذات الثقافة الغربية أو الهجينة أو المستنزفة عقديا، والتي تصر على رفع الشعارات الغربية [2] ، باتت موضع تساؤل واحتجاج في عواصم «المركز» نفسه.
حين يطالب أمثال هؤلاء بـ «الديمقراطية» ، مثلا، أو بـ «الدولة المدنية» فإنهم لا يتحدثون قط عن «الماهية» التي سيطبقون فيها مثل هذه الشعارات، ولا يجيبون على أي تساؤل من نوع: من أين سيبدؤون بتطبيق «الديمقراطية» ؟ هل من حيث بدأ «المركز» ، إثر الثورة الإنجليزية، وزمن عصر الأنوار الأوروبي؟ أم من حيث انتهى إليه من أزمات طاحنة؟ هل من حيث بدأت «الرأسمالية» وقيمها؟ أم من حيث انتهت إليه؟
هؤلاء الذين يرفعون الشعارات الغربية فاتهم ملاحظة أن «اللبرالية» ومنتجاتها من «الرأسمالية» و «الحرية» و «الديمقراطية» و «الدولة المدنية» ... ، لم تنجح في تحصين أوروبا والعالم من سفك دماء عشرات الملايين من البشر. فأي الديمقراطيات أفضل؟ ديمقراطية ما قبل الحربين العالميتين؟ أم ما بينهما؟ أم التي جاءت بعدهما؟ ولما تكون «الديمقراطية» و «الرأسمالية» وقيمهما موضع تساؤل، وأزمات اقتصادية ومالية طاحنة في مواطنها؛ فكيف يمكن الوثوق بهما؟ وبأي حق يمكن اعتبارها ضمانات مستقبلية، يمكن أن تحول دون نمو الاستبداد والطغيان من جديد؟ وما هو البديل إن فشلت؟ هل بالعودة إلى الاستبداد؟ أم بتطبيق الشريعة؟ أم بالمطالبة، مجددا، بعودة الوصاية؟
فإنْ لم يكن ثمة إجابات قاطعة تقنع الأمة، ولا نظنها متوفرة أصلا، فإن كل حديث عن «الدستور» أو «الدولة المدنية» أو «الديمقراطية» و «الحماية الدولية» ، وما إلى ذلك .. فلن يكون من الصعب تصنيفها خارج سياق التخبطات التي ليس لها أي منطق أو مشروعية، إلا في نطاق المنظومة التي صنعتها .. أي منظومة الهيمنة والتبعية.
بمثل هذه الوسائل والأدوات والتشكيلات والقيم يجري اعتراض مسار الثورات فضلا عن الاعتراض الطائفي [3] لها دون أن يتوقف الكثير عند الحقيقة الصارخة، التي تؤكد بأن الأمة لم تعد قابلة للعيش في مخابر التجارب الفكرية والسياسية والأمنية والعسكرية ذاتها.
(1) تابع نماذج من الأداء السياسي والعقدي لهذه النخب في سلسلة تأملات في شريط العاصفة الشعبية للباحث: (3) «أشرار الثورات و (4) «إسرائلييو الثورات» . على المراقب: http://www.almoraqeb.net/main/articles-action-listarticles-id-49.htm .
(2) العجيب أن «المركز» هدم الخلافة وقسم الأمة، ومع ذلك ظهرت حركات التحرر تنادي بالاستقلال الوطني وحق تقرير المصير!!! وكأن الغرب جاء لأهداف أخرى!!! واليوم تتكرر ذات الشعارات والمطالب العربية!! وذات القوى الاستعمارية تنتصر لها!!!
(3) لاحظ الخداع الإيراني الرهيب في ازدواجية الخطاب السياسي والموقف من الثورات العربية. ففي تعقيبه على انتصار الثورة المصرية اعتبر المرشد الأعلى للثورة، علي خامنئي، أن الثورات العربية هي «امتداد للصحوة الإسلامية» التي انطلقت مع الثورة الإيرانية ... بينما صب وزير الخارجية، على أكبر صالحي، خلال اجتماع «قمة شنغهاي - سان بطرسبروغ - 7/ 11/2011» ، وفق وكالة «إنترفاكس» الروسية، جام غضبه على ما أسماه «قوى الاستكبار العالمي» التي حملها مسؤولية دعم الربيع العربي!!! وكالات - صحف، اليوم السابع: «بوتين ينتقد مواقف الدول"المتغطرسة"من الربيع العربي» ، http://www.youm 7.com/News.asp?NewsID=528344.