والاقتراب من «إسرائيل» ، وحتى من «الحركة الصهيونية» و «اليهودية العالمية» . وبدلا من التأني، وحفظ بعض ماء الوجه، أو المناورة السياسية، كما فعل الأتراك حين احتلال العراق، ألقت النظم السياسية، طوعا أو كرها، بكل ما لديها، من أوراق، في السلة الأمريكية، وتوحشت، حتى النخاع، بصورة غير مسبوقة في تاريخها.
ولأن الولايات المتحدة، والنظم السياسية، باتت تواجه خصما عقديا؛ فقد دفعت النظم بالعلماء إلى الواجهة، لكن بصورة أسوأ من ذي قبل. فالبعض منهم انزوى، والكثير منهم ازدحمت بهم السجون، وكثير منهم صمتوا، ومنهم من سقط في قاع المطالب الأمريكية. وصرنا نسمع فتاوى فيها من العجب العجاب ما تشمئز منه النفوس والعقول. وأسوأهم تلك الفئة الموصوفة تاريخيا بـ «وعاظ السلاطين» . فهؤلاء قدموا «طاعة ولي الأمر» على «طاعة الله» و «رسوله» ، أيا كانت الأسباب والظروف والسياسات. بل أننا نراقب منذ زمن وجود علماء شرعيون، لا يشتمل قاموسهم العقدي والشرعي إلا على مصطلحات، مبتورة ومشوهة وفاقدة لأية أسانيد شرعية صحيحة، خاصة لما يتحدثون عن الفتنة والإجرام والخراب وسفك الدماء وحرمة الخروج على ولي الأمر، حتى لو كانت الشعوب هي من خرجت على الولاية .. بينما يطبقون صمتا، وكأنهم في غيابات الجب، لما يتعلق الأمر بالتصدي للاختراقات العقدية، وحتى الخروج عن الدين والشريعة والأمة، ولا يدخرون جهدا في إجهاض أي مساس بالنظام. ولا ريب أن مواقف بعضهم تصب، دون مواربة أو خجل، في أطروحة «المركز» المهيمن على الأمة [1] .
مثل هذه المواقف، التي يعتقدون أنها تحصن النظام السياسي، أو تحقن الدماء المعصومة، هي في الواقع تسقطهم من حسابات الأمة نهائيا، وتعجل بتهديد مصير النظام. فهي فتاوى لا فائدة منها إلا صب الزيت على نار مستعرة. والأسوأ أنه صار لكل مسلم شيخه، والسؤال الطبيعي: من هم، إذن، مشايخ الأمة وعلماؤها؟ وهل يمكن الحديث عن علماء أمة إذا كان الموقف من الشيخ أو العالم يتحدد في ضوء الموقف السياسي بدلا من الموقف الشرعي؟ وحين تشعر الأمة وحتى أفرادها أنه لم يعد لها أية مرجعية يمكن الركون إليها أو الوثوق بها أو التظلم عندها أو التعبير عن طموحاتها أو النظر في احتياجاتها، حتى لدى العلماء الذين هم من المفترض أن يكونوا بمثابة الدرع الحصين للأمة؛ فهل من العجيب أن يأخذ العامة أمرهم بيدهم!!؟
من هو الذي يراقب الدولة والمجتمع إذا كان «الأمن» في الدول العربية هو المؤسسة الأشد فاعلية وتأثيرا في شتى مناحي الحياة في الداخل والخارج؟
فـ «الأمن» صمم كمؤسسة لا هدف لها، ماضيا وحاضرا، إلا المحافظة على النظام السياسي القائم، بغض النظر عمن يحكم البلاد!!! لذا فما من عائق شرعي أو دستوري أو قانوني أو عرفي أو اجتماعي يمكن أن يحد، فعليا، من نفوذ الأجهزة الأمنية وصلاحياتها. فهي خارج المراقبة، وفوق المساءلة، وصاحبة القول الفصل. ولأنها أشد بطشا من الجيش، الذي أثبتت التجارب أن أقواها أضعف من أن ينتصر في حرب مع عدو، فقد استحقت دولة «سايكس - بيكو» ، عن جدارة، لقب «دولة الطغيان الأمني» .
(1) كنموذج للقراءات النقدية، التي بدأت تتكشف بعد اندلاع الثورات العربية، يمكن مراجعة كتابات عبد الرحمن جميعان، المنسق العام لمنتدى المفكرين المسلمين، حول الحالة الكويتية، مثل: السلفيون وصكوك الغفران، 21/ 11/2011، موقع المنتدى: http://almoslimon.com/main/viewarticle.php?id=66 ، وكذلك مقالة أحمد مولانا، عضو المكتب السياسي للجبهة السلفية المصرية، احتواء السلفيين ... واستلاب العقول، 18/ 11/2011، موقع ثورة 25 يناير- القيادة الشعبية الميدانية للثورة http://fieldleadership.allahmontada.com/t 338 - topic#444، وكذلك مقالة محمد إلهامي: فقه التولي يوم الزحف، 17/ 11/2011، على مدونة الكاتب: http://melhamy.blogspot.com/2011/11/blog-post_17.html .