الصفحة 18 من 44

• وباعتباره قوة غير مرئية، خفية الملامح والتشخيص والسيطرة والتحكم، تفوق قوة المجموعة البشرية التي تعيش في ظله، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي. لذا فهو غير قابل للطعن أو التفكك أو الانهيار. وبهذه المواصفات فإن توقع انتفاض السكان على «النظام» ، أو سحب الشرعية منه، أو الانفضاض عنه، يبدو ضربا من الخيال. كما أن تجريم العيش فيه أو الانتماء إليه أو الانتفاع بمؤسساته ليس معقولا أبدا، ولا يمكن أن يكون مجديا طالما أنه تعبير عن «نمط مقبول» و «آلية اشتغال فعالة» و «قوة خفية» تجدد اشتغالها بنفسها بغض النظر عن أية ضغوط أو تدخلات.

إذن لـ «النظام» منطق لا يصح تجاوزه أو التلاعب به بسهولة. فهو يشتمل على العديد من البنى والأنظمة المعقدة كالنظام الاجتماعي والنظام السياسي والنظام الاقتصادي والنظام الثقافي والنظام القيمي وغيرها من نظم المعيش والحياة. لذا فهو أقوى وأعلى مرتبة من أي نظام يحتويه، بل وأقوى منها مجتمعة. والحقيقة الثابتة هي أن المجموعات البشرية لا يمكن لها أن تجتمع إلا على المنافع والمصالح المتبادلة، في إطار تصيغه وتحكمه وتوجهه العلاقات السلمية. وبهذا المحتوى، فالمشكلة ليست في وجود «النظام» بحد ذاته. فهو حاجة إنسانية يمليها الطبع البشري قبل العقائد أو الأيديولوجيات. وكما يقول ابن خلدون فـ «الإنسان مدني بالطبع» . ولمّا يكون الأمر كذلك فما الذي يجعله، إذن، متوحشا؟

الإجابة على السؤال تكمن في وجوب التمييز بين منظومة «الهيمنة الدولية = المركز» ومنظومة «الاستبداد المحلي» ، التي جرى تصميم النظام السياسي فيها، وتشغيله تاريخيا، بموجب معادلة ثابتة، تجعل منه «هامشا» يدور في فلك «المركز» ، ولا يحيد عنه. وبهذا المعنى فإن «النظام» ، دولة ومجتمعا وسلطة، ليس سوى «شأنا داخليا» من شؤون «المركز» . لذا من العجيب تصور البعض أن يكون «الهامش» مستقلا أو ذا سيادة. وحتى الغرب نفسه، وأعتى مفكريه لا يقولون بهذا [1] . بل أن أحدا لا يقول به إلا نحن العرب.

«سايكس - بيكو» منظومة صممها «المركز» ، كي تعطل كل فاعل استراتيجي في الدولة ما عدا «الحاكم» ، الذي لا يمكن أن تنافسه أية شخصية في أي مستوى. فالحاكم هو الأول والآخر في الدولة، فهو الرياضي الأول والمحامي الأول والمهندس الأول، ومالك الجمعية الناجحة، وزعيم الحزب القائد، وبطل الحرب والسلام، وأمير المؤمنين، وخادم الحرمين، والملهم الوحيد والنبيه الوحيد والراشد الوحيد، والفائز الدائم، وصاحب الأمر والنهي، والزعيم الإنسان، وصاحب الضربة الجوية، وأمين القومية العربية، والأب والمحرر والباني، وباعث النهضة، والخالد الذي لا يخطئ حيا أو ميتا!!! وحتى زوجته فلا يداني مكانتها أحد باعتبارها السيدة الأولى.

فمن يستطيع أن ينافس الحاكم إذا كان هو «الكل في الكل» ؟ وماذا نسمي احتكار الحاكم للسلطة والمكانات بغير الطغيان؟ وكيف يمكن الرد على العبارة البالغة الدلالة التي قدمها د. حازم الببلاوي حين وصف الحكومات العربية، منتصف ثمانينات القرن العشرين، بـ «حكومات الضرورة» ؟ وهل نبالغ إذا قلنا بأن نظم «سايكس - بيكو» ليست، تأسيسا أو تاريخا، سوى «ودائع استعمارية» متطورة الشكل والمضمون؟ وهل ثمة توصيف آخر يمكن الركون إليه في تبرير احتكار السلطة والمكانة، أو الإصرار على تغييب القيادات ومنع الرقابة الاجتماعية والسياسية والإعلامية والقضائية من ممارسة أي مستوى منها؟

(1) للتذكير، يرجى مراجعة: نعوم تشومسكي، صحيفة «الغارديان 5/ 2/2011» ، مرجع سابق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت