لما دخلت الفلسفات العلمانية، الداعية إلى تثوير «الجماهير» في العالم العربي، خاصة الشيوعية منها، طرحت تساؤلات كثيرة عمن يتولى قيادة «الجماهير» ، ونظّر فيها المنظرون، بحثا عن الطرق الكفيلة بصناعة القيادات من رحم المعاناة والثورة، وقالوا بأن تثوير «الجماهير» كفيل بقدرتها على فرز قياداتها. وثبت بالدليل القاطع كيف فشلت الثورات والحركات الوطنية فشلا ذريعا، هي وأطروحاتها، وانتهت إلى المساومات والتراجعات والانهيارات وحتى العمالة. ولم يتساءل أيا من هؤلاء أين هي القيادات التي تحدثوا عنها؟ بل أن أحدا من هؤلاء لم يسائل حتى نفسه: لماذا فشلنا؟ ولماذا تحول الكثيرون إلى عملاء؟ ولماذا قبلوا بالامتيازات والمغانم على حساب الأمة وعقائدها؟ ولم يجرؤ أحدهم على الاعتراف بالقول: لقد أخطأنا .. ونعتذر للأمة. بل أن كل ما قالوه، ببلاهة معهودة، أن: العالم تغير .. وعلينا أن نكون براغماتيين .. علينا أن ننضج .. وأن نعيد قراءة صلح الجديبية!!! فهل سنحارب مدى العمر؟ .. نعم حصلت أخطاء لكن الثورة مستمرة .. علينا أن نعود إلى الأصل .. لقد عانينا كثيرا وعانى الناس ..
أما الذين لم يسبق لهم أن تواجدوا في الأمة، أو تآمروا عليها، وخذلوها، وأحبطوا فيها كل مسعى، أو بارقة أمل فقد رأوا في هزيمة هؤلاء فرصة ذهبية للشماتة بهم، وتبرئة أنفسهم مما لحق بها من عار، حتى أنهم غرقوا في مستنقعات الخيانة، فقالوا: ألم نقل لكم؟ لكنكم لم تسمعوا لنا!!!
هذه الحقيقة تنطبق على الغالبية الساحقة من القوى الإسلامية بنفس القدر الذي تنطبق فيه، أكثر، على القوى اللبرالية والعلمانية. ولو أخذنا بالنتائج لعقود من الصراع، وتتبعنا كل العمليات السياسية في صناديق الاقتراع، وكل الانتفاضات السابقة، السلمية والمسلحة، وحيثما انتفض الناس في البلاد العربية، بما فيها الفلسطينية، لكانت النتيجة صفر وما دونه. فقد تعرضت جميعها للإجهاض من داخل حركاتها بألف حجة وحجة، ليس أدناها منزلة إلا تلك التي انتقلت من النقيض إلى النقيض، أما من بقي لديهم ورقة التوت فتعللوا بما عبّر عنه أحد المفكرين بـ «شرك المكاسب» ، أو المحافظة على «الإنجازات» !!! .. هذه «المكاسب» التي صار الحفاظ عليها من «الخسارة» الموهومة شماعة تعلق عليها الجماعات الإسلامية والحركات العلمانية الفشل والجمود والنكوص، إلى الحد الذي تتصالح فيه مع النظام و «المركز» ، وتعتذر له عما سلف منها وتتبنى خطابه الأمني، وتسعى بلا مبرر، إلا من الذلة والخسة والمسكنة والخزي، لإثبات حسن النية والتغني بالحكمة والتعقل على طريقتها.
هكذا لم تظهر القيادات ولن تظهر. لأنها غير موجودة تاريخيا. ولأن بنية النظام السياسي وخصائصه لا يمكن أن تسمح بظهورها. ولأن النظام السياسي لم يلتزم بترقية أي قطاع في الدولة أو في المجتمع بقدر ما التزم بسياسات «المركز» ، المطالبة، على الدوام، بضرورة الحفاظ على «الأمن والاستقرار» ، عبر كبت الحريات، ومحاصرة الأحزاب، ومنع الجمعيات، وقتل المبادرات، واحتواء القيادات الناشئة، أو استمالتها، وتدجينها، أو خداعها، أو إغرائها، أو حتى تصفية العناصر الفاعلة فيها، قتلا أو اعتقالا أو مطاردة ونفيا وتشريدا، أو بتهميش كل الشخصيات الاجتماعية سواء كانت سياسية أو دينية أو علمية أو ثقافية أو وطنية، إلى حد التخلص منها وقتلها، إذا تطلب الأمر، أو تقييد حريتها وحركتها وتواصلها مع الأمة، تحت طائلة التهديد بالسجن، أو فرض الإقامة الجبرية عليها، أو منعها من اعتلاء المنابر العامة، أو بأية وسيلة أخرى، ليس أولها قطع الأرزاق، ولا آخرها الإسقاط والتشويه، وامتهان الكرامات، وصولا إلى «الضرب في سويداء القلب» ، على حد تعبير زكي بدر، وزير الداخلية المصري الأسبق. وفي المقابل ثمة قيادات ورموز، على كافة المستويات، تمت صناعتها، أو إعادة إنتاجها، وتقديمها للأمة من العدم، تماما [1] ، كما يجري تصنيع أية سلعة استهلاكية أو إعادة تدوير النافق منها.
(1) راجع، كنماذج، الثلاثية الطريفة للكاتب المصري صلاح الإمام: فك طلاسم الثورة المضادة، 20، 29/ 6 و 5/ 7/2011 على التوالي، جريدة المصريون: (1) http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=65714. و (2) http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=67154. و (3) http://www.almesryoon.com/news.aspx?id=67965.