وقد ثبت بالقطع؛ أن تحرير الدولة من أية مراقبة محلية، وتنزيه الحاكم عن أية مساءلة، هو أحد ركائز «سايكس - بيكو» . وهذه الوضعية تتماثل فيها الدول العربية مع بعض الفوارق. إذ لا وجود لمجتمع مدني فاعل. وكمثال على غياب الرقابة؛ يكفي الاستدلال بعدد المنظمات غير الحكومية المرخصة للعمل بين الدولة اليهودية التي يتواجد فيها 40 ألف منظمة، والعالم العربي، الذي لا يزيد عدد مؤسسات الرقابة فيه عن 2500 مؤسسة. ولا ريب أن مثل هذا المؤشر يكشف بشكل مريع عن كون الدول العربية أشبه بالمشاع بالنسبة للنظم الحاكمة. إذ ما من شيء خاضع للرقابة أو المساءلة. وما من قيمة للمجتمع أو الشعب. والأسوأ من هذا؛ ارتباط الغالبية الساحقة، من مؤسسات الرقابة، بجهات تمويل أجنبية، تتحكم في برامجها وتوجهاتها، أو بالنظم الأمنية للدولة، الأمر الذي يفقدها فاعلية الرقابة. بل أن المؤسسات النقابية في الكثير من الدول صارت بالنسبة لها مصدرا للجباية.
تعميم «سايكس - بيكو» ، كما لو أنها منظومة ثقافية أصيلة ومقدسة رغم كونها منتجا استعماريا غربيا، أحدث دمارا واسعا في العالم الإسلامي. والعجيب أن هذه الثقافة، التي أمست نمط حياة، ولدت منذ اللحظة التي حلت بها القوى الغربية في ديار المسلمين. والأعجب أن حركات التحرر العربية كانت أول من عمل بها، ودافع عنها دفاعا مستميتا، حين تبنت مخرجات «سايكس - بيكو» ، ورفعت أعلام الاستقلال وشعاراته الوطنية، واحتفلت بأعياد الجلاء!!! وكأن القوى الاستعمارية الغازية تمنت أكثر من هذه الشعارات والنتائج!!! ومع الوقت صارت كل الوسائل والأدوات العلمية والمناهج ونظم التأهيل والتعليم والنشر والمعرفة والإعلام والاتصال والتواصل، في الدول العربية، تصاغ بموجب ما تقبله «سايكس - بيكو» أو ترفضه. لذا فليس من العجيب أن تخضع الأمة لتزوير في تاريخها، أو تضليل، أو تجهيل، أو إخفاء للمعلومات، أو حرمان منها، أو احتجاز لتقدمها، أو مصادرة لأية انطلاقة علمية أو معرفية.
والحقيقة أن كل التشكيلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الراديكالية والدينية، نمت وترعرعت في رحاب ثقافة «سايكس - بيكو» ، وعملت بموجب أدواتها وآليات اشتغالها!!! ودافعت عن اختياراتها دفاعا مستميتا. وقبلت التفاعل مع أطروحاتها وإفرازاتها الثقافية والسياسية والعقدية كما لو أنها أصيلة المنشأ!!! ومع أنها منظومة تفكيك استعمارية تاريخية حطمت العالم الإسلامي، وأنزلت به عظائم البلايا، إلا أن هذه القوى برزت في الدعوة إلى «الوحدة العربية» أو «الوحدة الإسلامية» ، مستعملةً ذات المفاهيم والآليات والمؤسسات التي أفرزتها!!! والأكيد أن مثل هذه القوى، حتى وإنْ ناهضت النظام السياسي، إلا أنها، في المحصلة، كانت ولمّا تزل أحد منتجات ذات المنظومة التفكيكية، فضلا عن كونها قدمت المشروعية اللازمة لها ولـ «المركز» على السواء.
والأطرف من ذلك؛ أن الدولة ذاتها لم يخل خطابها السياسي من التأكيد الدائم على «الوحدة الوطنية» ، لاسيما وأنها دولة قابلة للتفكك، مثلما أن المجتمع ذاته لم يخل من القابلية للانقسام في كل حين. فكيف يمكن الدعوة إلى «الوحدة العربية» ، ناهيك عن إنجازها، بينما الدولة والمجتمع مرشحان للانقسام أكثر من التوحد!!!!؟ [1] وهل يمكن بعد هذا أن يكون حظ الدعوة إلى «الوحدة الإسلامية» أوفر!!!!؟
(1) لاحظ ما قاله المفكر المغربي عبد الله العروي، من أن: التأكيد الدائم على الوحدة الوطنية دليل دائم على ضعف الدولة. راجع: «مفهوم الدولة» . المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء - بيروت، الطبعة السابعة، 2002.