الصفحة 28 من 44

ثمة من يعتقد أن القمع الوحشي للنظم تسبب برفع سقف المطالب، التي غالبا ما بدأت بمطالب محدودة يمكن السيطرة عليها واحتواءها. هذا الاعتقاد هو أحد صياغات ثقافة «سايكس - بيكو» . إذ أن للعقل الجمعي حدسه الذي يتسم بعقلانية حادة، تكفي لتحديد اللحظة المناسبة لرفع الشعارين الشهيرين: «إرحل» أو «الشعب يريد إسقاط النظام» . فمثل هذين الشعارين لا يمكن إحالتهما إلى رد الفعل على القمع والقتل، وكأن النظام كان بريئا فيما مضى أو غبيا في قراءة ما يستهدفه حقا من هذه الاحتجاجات.

حتى يومنا هذا فإن أميز المطالب التي رفعتها الثورات؛ ركزت على قضيتين أساسيتين، لم يسبق أن طرحتهما أية قوة سياسية، ولا في انقلابات النظم، أو في أية مواجهات شعبية سابقة، بهذا الاتساع والشمول، هما:

· إسقاط الاستبداد

غني عن القول أن الاستبداد هنا يشمل النظام السياسي والقوى ذات الصلة به، بالإضافة إلى كل المنظومات الدستورية والقانونية والقضائية والأمنية والإعلامية والثقافية والعلمية والاجتماعية والاقتصادية .... ولا ريب أن الحريات العامة وتقاسم الأمن بين المجتمع والدولة وحفظ الحقوق ورد المظالم وغيرها هي مطالب تقع في القلب من الحدث الثوري.

· استعادة الثروات

الثابت تاريخيا أن الكولونيالية الأوروبية غزت البلدان الفقيرة بذرائع شتى، وأجبرتها على الاعتراف بالغزو، تحت بند «معاهدة حماية» كما حصل في مصر وتونس سنة 1882. لكن بعد الحرب العالمية الأولى استعملت عصبة الأمم كلمة «الانتداب» ، ووفقا للمادة 22 من ميثاقها فـ: «الانتداب، يشكّل رسالة حضارية مقدسة» . ومهما اختلفت المسميات فالمحصلة لا تخرج عن نهب الثروات والسيطرة على الموارد والتحكم فيها. ولعل مثل هذا الأمر كان «مفهوما» آنذاك. غير أن الرحيل المباشر للقوى الاستعمارية عن مستعمراتها لم يكن ليعن بأية حال التوقف عن نهب الثروات أو الموارد. بل أن إعادة تصديرها إلى دول «المركز» لم تتوقف لحظة واحدة.

هذان المطلبان يؤشران على أن الدول والمجتمعات العربية التي سبق وأن تعرضت للاحتلال من الخارج هما اليوم محتلان من الداخل، بدليل أن الثروات ظلت تستنزف سواء بوجود القوى الاستعمارية أو بغيابها. أما النظم العربية فهي تعلم علم اليقين أنها تمارس مهامها في دول لم تتمتع بعد بأكثر من صفة «ودائع استعمارية» . وهذا يعني أن النظام نفسه يفتقد إلى الأمن والأمان الذي يفتقده المواطن نفسه، مما يدفع الحكام إلى الاعتقاد بأنهم طارؤون كما هي الدولة طارئة. وبالتالي فإن أكثر الأماكن أمنا لتصدير ثرواتهم هي دول «المركز» ذاتها!!! وقد تبدو المفارقة مثيرة، لكنها في الواقع تعكس دهاء «المركز» ، فيما جهد لتشييده طوال قرون ماضية، قبل أن يصل إلى هذا النظام الدولي المتوحش. هكذا لم يعد ثمة غرابة في كون ثروات الأمة مخزنة في بنوك «المركز» ، دون أن يكون لنا القدرة على التحكم بها، إلا بما يبقي الأمة، قيد الاحتجاز، وتحت خط الفقر والهيمنة والتبعية.

ثمة تباينات في المواقف من الثورات العربية، يجري التعبير عنها بصيغ أيديولوجية، تجعل من بعض التقييمات شبه عقيمة في قراءة الحدث. فالذين يقولون بأن الثورات العربية صناعة أمريكية يتحصنون، كما سبق وأشرنا، بمصطلح «الفوضى الخلاقة» ، ويستدلون، حقيقة، ببعض الشخصيات الشابة، ذات الصلة ببرامج تدريب أمريكية على إثارة احتجاجات شعبية أو قيادتها. ويجد أصحاب هذا الرأي كل الدعم من المستشرقين الروس. لكن الذين يصفون الثورات بـ «المؤامرة» فهم ينهلون من منطلقات أيديولوجية صرفة. ويدعمون أطروحتهم بالتدخل المسلح لصالح الثورة الليبية أو باستهداف النظم الجمهورية دون الملكية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت