نجحت في توطين الرعب بين الناس، حتى لامست شغاف قلوب الأطفال. وفي السعودية زجت السلطات بعشرات الآلاف من العلماء وطلبة العلم والمشايخ والمعارضين في السجون، وسط منظومة أمنية وقضائية استبدادية، لا عقل فيها ولا شرع.
هذه النماذج للاستبداد والطغيان شائعة في شتى البلاد العربية، ولا تختلف، مدخلاتها ومخرجاتها، إلا باختلاف هوية النظام المستبد، وما يستعمله من أدوات ومناهج استبدادية، كضمانة لاستمراره في الحكم، لكنها لا تختلف قطعا في نتائج الاستبداد، وإلا ما كانت الثورات لتندلع في دول تتباين تركيبتها الاجتماعية وتاريخيتها، وبعض التمايزات الثقافية. ففي مصر كان الغضب والقهر مبعث الثورة، لشعب أهدرت حقوقه وكرامته ودماءه، وانتهكت عراقته وإمكانياته الهائلة، وفي تونس كانت الهوية والعقيدة والكرامة المهدورة لهيبا للثورة، وفي ليبيا كان الاستخفاف والتجهيل، بحق شعب لم يبخل على نفسه ولا على أمته، حتى كاد ينقرض لكثرة ما فقد من الدماء في ساحات الجهاد، وفي سوريا كان الرعب الأمني والامتياز الطائفي من نصيب أمة هي خير أجناد الأرض، وملاذ المؤمنين من الفتن، وفي اليمن، أرض المدد والنصرة، كان الفساد العظيم يضرب البلاد السعيدة، حتى يكاد الناس فيها لا يجدون ما يسد رمق أطفالهم. كل هذه الأسباب استعملت بدرجات متفاوتة في كافة النظم السياسية العربية، لكن أحدها تمايز في هذه الدولة عن تلك.
لو قرأنا خوف المواطن، في مستوى نمط الحياة، لوجدناه يشعر، ظاهريا وفي أعماقه، باستضعاف شامل، يساوي في المقدار ذاك الذي يشعر فيه النظام بطغيان شامل. وفي المحصلة فإن كلا الطرفين ضعيفين وعاجزين. فلا الدولة قادرة على حماية مواطنيها، ولا النظام السياسي يأبه لكرامته حتى يأبه للدولة أو لمواطنيه. فكيف يمكن لهكذا نظم أن تستمر؟ وأية علاقة يمكن ترميمها بعد أن صار المواطن والنظام وجها لوجه في تصادم حتمي؟
إلى هنا ينبغي القول:
(1) إن «حاجز الخوف» ليس مجرد بنية نفسية منفصلة عن تفاعلات العلاقة مع البنية الاجتماعية. بمعنى أن الأسباب النفسية وحدها لا تفسر الحدث الثوري إلا في علاقتها بالأسباب الاجتماعية. فما تعرض له الفرد من تجريد لعناصر القوة هو ذاته الذي تعرضت له المؤسسات السياسية والاجتماعية والنخب وغيرها من القوى الاجتماعية والاقتصادية.
(2) كما أن مكونات «حاجز الخوف» لا يصح النظر إليها من زاوية استبداد المنظومة المحلية بمعزل عن النظر في الدور الحاسم لعناصر القوة، التي تمثلها منظومة الهيمنة الدولية. وهذا يعني أن الحديث عن «انكسار الحاجز» أمر سابق لأوانه.
كل ما أفرزته «سايكس - بيكو» هو جزء بنيوي منها. ينطبق هذا التوصيف، بحسب النص، على المؤسسات والجمعيات والمنظمات، الحكومية وغير الحكومية، وعلى الجماعات والأحزاب والحركات، والفلسفات الوضعية وكافة الأيديولوجيات، التي ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى. كلها وليدة منظومة التفكيك إياها .. وكلها عملت، ولا تزال تعمل، بنفس الأدوات والآليات التي تعمل بها النظم السياسية الحاكمة إنْ لم يكن أسوأ .. وكلها أيضا مارست الاستبداد والقهر، واستوطن فيها الفساد والمحسوبية .. ولما تكون مدخلاتها السياسية والأيديولوجية والثقافية والقيمية من طينة «سايكس - بيكو» فليس من المفاجئ أن تنشأ قوى راديكالية، تنتهي إلى التدجين أو الاحتواء أو التحالف مع النظم أو حتى العمالة، وقوى أخرى انكفأت على نفسها أو زالت، وقوى غيرت من منطلقاتها أو ارتدت عنها، وقوى دخلت في مداهنات مع النظام بدعوى السلمية والمحافظة على الذات وحقن الدماء، وقوى خذلت الأمة، وقوى استبد بها النظام، فكان مصيرها التشريد والاعتقال والقتل، وتعطيل كل فاعلية لها في مواطنها. وثمة قوى صارت تدافع، علانية، عن «سايكس - بيكو» أو توالي الغرب أو تناصر حتى «إسرائيل» ، وقوى ظاهرها غير باطنها، وقوى صورية، وقوى ملحدة، وأخرى معادية للدين، ومثلها قوى تحريفية، وقوى فاشية، ودموية. وثمة أيضا شخصيات ورموز