الصفحة 32 من 44

للكتلة الديمغرافية، والكتلة الجغرافية، وسط غياب تام لأية كتلة سياسية، أو انهيار لما هو قائم منها، أو انعزال الكتل عن بعضها، وحتى انحيازها للقوى الغربية، بصورة بدت فيها أكثر عداء لبعضها من أي تقارب يذكر، أو منطق يحفظ بعض ما تحتاجه العلاقات المستقبلية من ضرورات بعيدا عن «المركز» .

هكذا خسر العرب، على الخصوص، أكثر من غيرهم. فلا هم بدوا أمة عربية بغير المنطق الأيديولوجي المشوه، في صيغة دول وأحزاب أو ولاءات وانتماءات مشتتة (يساريين، لبراليين، قُطريين، قوميين، خليجيين، ... ) ولا هم بدوا أمة إسلامية إلا في صيغة أفراد وجماعات وفرق وهيئات ومؤسسات خيرية وإغاثية وبيعات للحاكم.

لا شك أن وضع العرب، مع انطلاقة الثورات العربية، أقرب ما يكون إلى وضعهم عشية الحرب العالمية الأولى. وهذا يعني أن مشكلات الأمة لم تتغير كثيرا منذ أواخر عهد الدولة العثمانية وإلى يومنا هذا إلا إلى الأسوأ. فهل يمكن القول أن «حاجز الخوف» انكسر فعلا؟ أو بمعنى آخر: ما الذي نجحت الثورات في تغييره؟ وما الذي ما زال بحاجة إلى التغيير؟ وكيف يمكن مواجهة اعتراض مسار الثورات من القوى الدولية أو المحلية؟

يمكن الاتفاق على أن لـ «حاجز الخوف» معطيات نفسية ومادية تقع في مستوى الفرد. وتبعا لذلك فإن شيوع الخوف لدى الأفراد، من النظم الأمنية المتسلطة والاستبداد، يشكل ظاهرة اجتماعية بامتياز. لكن لا بد من التمييز بين مضامين ومحتويات «الحاجز» في مستويين مركزيين. إذ أن «الحاجز» ليس مجرد مشاعر فردية تشكل ذروة مخرجات الاستبداد. لكنه أيضا مضامين ومحتويات تقع في مستوى بنية منظومة الهيمنة الدولية والاستبداد المحلي في علاقتهما بالأمة. وتبعا لذلك؛ فمن الأهمية بمكان وجوب التمييز بين ثلاثة شعارات مركزية، تشكل معالم «حاجز الخوف» ، وتعكس، في نفس الوقت، المراحل التي ستمر بها الثورات، وهي مرحلة: (1) «إرحل» و (2) «إسقاط النظام» و (3) «إسقاط الهيمنة» ، إذ ما من فائدة في إسقاط الرمز دون النظام. ولسنا ندري كيف يمكن إسقاط النظام دون الذهاب إلى إسقاط الهيمنة؟

إذن، لفهم مسارات الثورات ومآلاتها؛ لا بد من توفر قدر من التحليل يسمح بالتمييز بين المراحل الثلاث، والنظر في مضامينها. فما تحتاجه مرحلة يختلف، بالضرورة الموضوعية، عما تحتاجه أخرى من أدوات ووسائل وشعارات وقوى وقيادات. وتأسيسا على ذلك يمكن النظر إلى «حاجز الخوف» باعتباره بنية نفسية وموضوعية، تمثل انعكاسا لمنظومة سيطرة وتحكم، يصعب تفكيكها دون مواجهات حاسمة معها في الداخل والخارج.

ففي المرحلة الأولى؛ نشطت منظومة الاستبداد المحلي في استنزاف القوى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعلمية، ومعها كافة التشكيلات الاجتماعية عناصر القوة، حتى أنه لم يتبق في الدولة والمجتمع إلا الفرد، الذي لم يسلم أخيرا من تجريده شبه التام من حقوقه. بل أن الحاكم، الذي استبد بالدولة والمجتمع والفرد، بلغ من الطغيان حدا لم يعد معه أي فاعل اجتماعي بقادر على إشباع نهمه. وهذا يعني أن المذاهب والفلسفات الوضعية والعقدية، وكذا الأيديولوجيات وتشكيلاتها المختلفة، تعرضت، كما الفرد، للاستنزاف، إلى الدرجة التي عجزت فيها عن وقف الاستبداد والطغيان عجزا تاما. هذا لأنها عملت بذات الأساليب والوسائل التي سخرتها «سايكس - بيكو» للجميع. فكان من الطبيعي أن ينتصر الحاكم في جولات الصراع كافة.

مع ذلك يبقى الفاعل الوحيد، الذي لا يمكن تغييبه إلى الأبد هو «الفرد - المجتمع» ، أو ما يسمى بـ «الشعب» . فحين فشلت القوى، ووسائل الرقابة والردع، في إحداث أي فارق يذكر؛ تدخَّل «الشعب» لينجز المهمة. ولا ريب أن أطرف ما في الثورات العربية أنها اندلعت بمبادرة من الأفراد بعيدا عن الأيديولوجيات والتشكيلات الاجتماعية والسياسية التقليدية. وحتى الذين شاركوا في الاحتجاجات الشعبية من القوى السياسية تخلوا في المراحل الأولى، الحاسمة، عن ولاءاتهم وأيديولوجياتهم لصالح الإصرار

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت